166

وحينما دخل عام خمسة عشر وأربعمائة ذهب إلى بلخ ليقضى الشتاء فيها، وحينما وصل إليها كان يأتى إليه طوال الوقت المتظلمون من على تگين من بلاد ما وراء النهر، فقد ارتكب كثيرا من المظالم وجعل الناس فى ألم وجور منه، وألحق الأذى بالرعية وأهل الصلاح، وحينما عم الظلم صمم الأمير محمود على أن يخلص المسلمين من هذا البلاء وهذه الآلام، وقد رغب فى أن يعبر من جيحون وأن يستطلع تلك الديار فأقدم واستعد وقال:" لو نعبر بالسفن فمن الممكن أن يتسرب الخلل إليها"، فظل فترة فى بلخ حتى اتخذت التدابير لذلك، وأمر بصنع سلاسل غليظة تتكون من زوجين (ذكر وأنثى) كل واحدة منها مقدار ذراع أو ثلاثة أذرع، وأخذ هذه السلاسل كلها فى جلد بقرة، وأحضروا السفن، وربطوا كل سفينة بالأخرى بهذه السلاسل المزدوجة ثم ركبوها على قرائنها التى كانت فى السفن، كما أحضروا أليافا قوية من سيستان إلى حد أن الجمال كلها كانت تحمل ليفا، وربط السفن بهذه الألياف أيضا، وملأوا تجاويف السفن بالحشو حتى يستطيع الفارس والمترجل والجمل والبغل والحمار أن يعبر بسهولة عليها، فجعل الجيش يعبر من فوق هذا الجسر وعبر محمود نفسه.

وحينما وصل خبر يمين الدولة إلى بلاد ما وراء النهر ارتجف أهل هذه الديار وتحير ملوكها، وكان أمير صغانيان هو أول من أتى لخدمته مع كامل جيشه وعرض نفسه والخدمة التى يستطيع أن يقوم بها . ثم قدم خوارزمشاه الحاجب التونتاش مع كل عسكره إلى الأمير محمود، ثم أمر الأمير محمود فضربوا خيمة عظيمة تسع عشرة آلاف فارس، وخيمة أخرى خاصة به من الديباج الششترى الأحمر وستائرها من الديباج المنسوج، ثم أمر فعبأ الجيش وصفوا الميمنة والميسرة والقلب والجناحين، وأمر أن تكون أماكن صناعة الأسلحة فى خلف الجيش، وأوقفوا الفيلة بدروعها وسروجها.

ثم أمر فقرعوا الطبول والأبواق والدبدبات دفعة واحدة، ووضعوا على ظهر الفيلة التهالى 48 ومرايا الفيلة، ونفخوا الأبواق وضربوا الأصناج الكبيرة ودقوا الدفوف 49 فأصموا الآذان من الأصوات وأدهشوا الموجودين، واغتم 50 كل من حضر فى هذا المعسكر من التركستان أو ما وراء النهر غما شديدا.

لقاء يوسف قدرخان بالسلطان محمود رحمهما الله

حينما علم قدرخان قائد التركستان وخانها العظيم بعبور يمين الدولة من جيحون رحل عن كاشغر، وقصد أن يلتقى بالسلطان ويأتى إليه فيراه ويجدد له العهد. وبعد أن ترك كاشغر قدم إلى سمرقند، ومن هناك تقدم على سبيل الصلح والصداقة، حتى وصل على بعد فرسخ من جيش السلطان محمود فنزل هناك، وأمر فضربوا له خيمة، وأرسل الرسل.

Page 265