حيرة قريش في وصف رسول الله- ﷺ-:
وحارت قريش في أمر رسول الله ﷺ بماذا يصفونه، وكيف يحولون بينه، وبين من يقصده، أو يستمع إليه، من الوافدين من بعيد، واجتمعوا إلى الوليد ابن المغيرة- وكان ذا سنّ فيهم وقد حضر الموسم- فقال لهم: يا معشر قريش! إنّه قد حضر هذا الموسم، وإنّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضا، ويردّ قولكم بعضه بعضا، ودار بينهم حديث طويل وأخذ وردّ.
ولم يرض الوليد بما عرضوه، ونقضه، فرجعوا إليه وقالوا: فما تقول يا أبا عبد شمس؟! قال: إن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر جاء بسحر، يفرّق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته.
فتفرّقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبل النّاس، حين قدموا الموسم، لا يمرّ أحد إلا وحذّروه إياه، وذكروا له أمره «١» .
قسوة قريش في إيذاء رسول الله ﷺ ومبالغتهم في ذلك:
وتفنّنت قريش، وقسوا في إيذاء رسول الله ﷺ فلم يرعوا فيه قرابة، وتخطّوا حدود الإنسانية.
فبينا النبيّ ﷺ ساجد- ذات يوم- في المسجد، وحوله ناس من قريش، إذ جاء عقبة بن أبي معيط بسلا جزور «٢»، فقذفه على ظهر النبيّ ﷺ فلم يرفع
(١) سيرة ابن هشام: ج ١؛ ص ٢٧٠- ٢٧١- باختصار.
(٢) سلا: هو اللّفافة يكون فيها الولد في بطن الناقة وسائر الحيوان؛ وهي من الآدمية المشيمة.