لا حرّ ولا عبد، فرجع رسول الله ﷺ إلى منزله، فتدثّر من شدّة ما أصابه، فأنزل الله تعالى عليه: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ «١» [المدثر: ١] .
ما فعل كفّار قريش بأبي بكر:
وقام أبو بكر يوما في الناس، يدعو إلى الله وإلى رسوله، وثار المشركون على أبي بكر فوطىء، وضرب ضربا شديدا، وجعل عتبة بن ربيعة يضربه بنعلين مخصوفتين يحرفهما بوجهه حتى ما يعرف وجهه من أنفه.
وحملت بنو تيم أبا بكر، وهم لا يشكّون في موته، وتكلّم آخر النهار، فقال: ما فعل رسول الله ﷺ فمسّوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئا، أو تسقيه إياه، فلمّا خلت به ألحّت عليه، وجعل يقول: ما فعل رسول الله ﷺ؟ فقالت: والله مالي علم بصاحبك.
فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب، فخرجت حتى أتت أمّ جميل، فمضت معها، ودنت منه أمّ جميل وهي ممن أسلم فسألها عن رسول الله ﷺ قالت: هذه أمّك تسمع، قال: فلا شيء عليك منها، قالت: سالم صالح، قال: فإنّ لله عليّ ألا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتي رسول الله ﷺ، فأمهلتا، حتى إذا هدأت الرّجل، وسكن الناس، خرجتا به يتّكىء عليهما، حتى أدخلتاه، ورقّ له رسول الله ﷺ رقة شديدة فقال أبو بكر: بأبي وأمّي يا رسول الله ليس بي بأس إلا ما نال مني الفاسق من وجهي، وهذه أمّي برة بولدها، وأنت مبارك فادعها إلى الله، وادع لها عسى أن يستنقذها بك من النار، فدعا رسول الله ﷺ لأمّه، ودعاها إلى الله، فأسلمت «٢» .
(١) سيرة ابن هشام: ج ١؛ ص ٢٨٩- ٢٩١، ورواه البخاري مختصرا في باب «ما لقي رسول الله ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة» .
(٢) سيرة ابن كثير: ج ١، ص ٤٣٩- ٤٤١ [أخرج الحميديّ هذه القصة في مسنده، برقم (٣٢٤)] .