242
وقد عرفه بعض المتأخرين:" بأنه عبارة عن أن يجعل العبد مع الله أحدا شريكا في الربوبية، والخلق والتدبير والإيجاد والإحياء والإماتة، واعتقاد الاستغلال فيه بالنفع والضر بنفسه وبذاته، ونفوذ المشيئة له لامحالة، وتأثيره في الكائنات من تلقاء نفسه بدون حاجة إلى الله تعالى" (^١)، وهذا بحد ذاته يسقط وقوع الشرك في العبادة؛ لأن العبادة على هذا التعريف مالم تكن مقرونة بهذه القيود فليست عبادة، ولا يقع فيها الشرك، ولو كان في صورة عبادة كالسجود، والاستغاثة ونحوها.
وهذا لاشك أنه تعريف فاسد باطل؛ لمضادته لدعوة الرسل، وهو ذريعة ووسيلة لفتح باب الشرك في الأمة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "الشرك نوعان: شرك في الربوبية: بأن يجعل لغيره معه تدبيرا ما، وشرك في الألوهية: بأن يدعى غيره دعاء عبادة أو دعاء مسألة" (^٢).
وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام ابن تيمية كثيرًا في كتبه ورسائله وردوده على المخالفين، ونقل عن بعضهم بأن التوحيد الذي يعتقدونه هو توحيد الإقرار والخالقية التي لايشاركه فيه أحد، وظنوا أن هذا هو غاية التوحيد، وظنوا أن شرك العرب إنما هو في الربوبية، أي: أن الآلهة شاركت الله تعالى في الخلق، وبسبب ذا كثر الشرك في بني آدم (^٣).
ويقول في مقام آخر: "فأما الشرك في الإلهية فهو: أن يجعل لله ندا، أي: مثلًا في عبادته، أو محبته، أو خوفه، أو رجائه، أو إنابته، فهذا هو الشرك الذي لايغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو الذي قاتل عليه رسول الله ﷺ مشركي العرب" (^٤)، وهذا المعنى قرره السمعاني، وهو أن الشرك كما يكون في الربوبية والأسماء والصفات، يكون في الألوهية، وهو ما سيتبين في المسائل القادمة التي تحدثت عن خطورة الشرك، وبيان بعض صوره.

(^١) شمس الدين الأفغاني: جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، دار الصميعي، ط ١، ١٤١٦ هـ، (١/ ٣٥٩).
(^٢) ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم:٢/ ٢٢٦.
(^٣) انظر: ابن تيمية: قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان، وعبادات أهل الشرك والنفاق، دار العاصمة، الرياض، ط ٢، ١٤١٨ هـ، (١٣٨).
(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى:١/ ٩١.

1 / 242