الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" (^١).
القسم الثالث: جعل الأنواء علامة على المطر مع عدم نسبته إليه لا قولًا ولا اعتقادًا، وهذا جائز، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (^٣).
وقد دلت الآيات السابقة على جواز جعل الرياح علامة على المطر بحسب ما جرت به العادة، وكذلك الأنواء يجوز جعلها علامة على ما جرت به العادة، بشرط أن يعتقد أن النوء لا تأثير له في نزول المطر، ولا هو فاعل، وأن المنفرد بإنزاله هو الله وحده (^٤).
وعن سعيد بن المسيب (^٥)
﵀ قال: "قد حدثني من لا أتهم أنه شهد
(^١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء: ١/ ٨٣ برقم (٧١).
(^٢) الأعراف: ٥٧.
(^٣) الفرقان: ٤٨.
(^٤) انظر: تيسير العزيز الحميد: ٣٩٥، والقول المفيد: ٢/ ٣١.
(^٥) هو: سعيد بن حزن بن المسيب القرشي المخزومي، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁، وقيل: لأربع مضين منها بالمدينة. وتوفي سنة ٩٤.
انظر: سير أعلام النبلاء: ٤/ ٢١٧، وشذرات الذهب: ١/ ٣٧٠.