موادعة اليهود تمت أول قدوم للرسول ﷺ إلى المدينة، فقال أبو عبيد القاسم بن سلام إن الوثيقة "كتبت حدثان مقدم رسول الله ﷺ المدينة قبل أن يظهر الإسلام ويقوي وقبل أن يؤمر بأخذ الجزية من أهل الكتاب" (١). وإنما ظهر الإسلام وقوى بعد معركة بدر الكبرى ويقول البلاذري: "قالوا وكان رسول الله ﷺ عند قدومه المدينة وادع يهودها وكتب بينه وبينهم كتابًا، واشترط عليهم أن لا يمالئوا عدوه وأن ينصروه على من دهمه، وأن لا يقاتل أهل الذمة، فلم يحارب أحدًا ولم يهجه، ولم يبعث سرية حتى أنزل الله ﷿ عليه (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) فكان أول لواء عقده لواء حمزة بن عبد المطلب (٢).
وبذلك يوضح البلاذري أن وثيقة موادعة اليهود كتبت قبل إرسال السرايا الأولى، ومن المعلوم أن سرية حمزة كانت في رمضان سنة ١ هـ أي قبل غزوة بدر بسنة وأيام (٣). ويقول البلاذري في موضع آخر وهو يتحدث عن غزوة بن قينقاع "وكان سببها أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة وادعته يهود كلها وكتب بينه وبينها كتابًا، فلما أصاب ﷺ أصحاب بدر وقدم المدينة غانمًا موفورًا بغت وقطعت العهد" (٤).وهكذا جزم البلاذري بأن موادعة اليهود كانت قبل بدر.
ويقول الطبري: "ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة منصرفة من بدر، وكان قد وادع حين قدم المدينة يهودها، على أن لا يعينوا عليه أحدًا وأنه إن دهمه بها عدو نصروه، فلما قتل رسول الله ﷺ من قتل ببدر من مشركي قريش أظهروا له
(١) الأموال رقم ٥١٨.
(٢) البلاذري: أنساب الأشراف ١/ ٢٦٨.
(٣) انظر الطبري: تاريخ ٢/ ٤٠٢ نقلًا عن الواقدي وأما ابن إسحق فيرى أن سرية عبيدة بن الحارث أسبق من سرية حمزة ويوضح تقارب وقت إرسالهما وأنه في ربيع الأول سنة اثنتين بعد الهجرة فيكونا قد اتفقا على خروج السرايا الأولى قبل بدر وهو المهم في هذا البحث. (انظر ابن هشام: السيرة النبوية ١/ ٥٩٥).
(٤) البلاذري: أنساب الأشراف ١/ ٣٠٨.