197

Taysīr uṣūl al-fiqh liʾl-mubtadiʾīn

تيسير أصول الفقه للمبتدئين

الأدلة على جواز اجتهاد المفضول بوجود الفاضل
ودلالات ذلك كثرة منها: اجتهاد سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه في قضائه في بني قريظة، فكان حكمه موافقًا لحكم الله ﷿، لقوله ﷺ: (قضيت فيهم بحكم الله من فوق سبع سبع سماوات) فأقره على هذا الاجتهاد الصحيح.
أيضًا: اجتهاد عمرو بن العاص عندما صلى بالناس وهو جنب؛ خوفًا من الماء البارد، فتيمم مع وجود الماء، والله جل وعلا يقول: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:٦]، ومع ذلك تيمم عملًا بقول الله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، فأقره النبي ﷺ على ذلك.
ومن الاجتهاد الذي أخطأ فيه بعض الصحابة فرده النبي ﷺ ولم يقره: حديث عمار، وهو حديث ضعيف، وعلى القول بصحته، قال النبي ﷺ: (قتلوه قتلهم الله، وذلك حين قالوا: ما نرى لك شيئًا، فاغتسل فمات، فقال: قتلوه قتلهم الله، أما كان لهم أن يسألوا إذا جهلوا، إنما شفاء العي السؤال) أي: شفاء الجاهل أن يسأل فيتعلم، فهذا حديث ضعيف، لكن نقول بصحته، وإذا قلنا بصحته فهذا دلالة على أنه أنكر عليهم الاجتهاد الخاطئ.
أيضًا: قصة عدي بن حاتم لما اعتقد أن قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧] معناه: أنه عمد إلى عقالين أبيض وأسود، ووضعه تحت الوسادة، ومكث يأكل ويشرب حتى يظهر له السواد من البياض، فقال له النبي ﷺ قال: (إن وسادك لعريض)، وأولها بعضهم: أن هذا توبيخ وتقريع له، وهذا لا يصح ولا يخرج من النبي ﷺ، لكن معنى الكلام: إن كانت الوسادة التي تنام عليها غطت الخيط الأبيض من الأسود الذي هو في السماء الذي يبين بياض الفجر من سواد النهار فهي وسادة عريضة، فكان هذا اجتهادًا منه ﵁، لكن لم يقره النبي ﷺ على ذلك.
ومنهم من أصاب في بعض وأخطأ في بعض: كقوله ﷺ لـ أبي بكر لما فسر رؤية لرجل في وجوده ﷺ: (أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا).
وأيضًا في مسألة: عمار: (لما تمرغ في التراب كما تفعل الدابة، فقال: إنما كان يكفيك)، فأقره على أصل التيمم، لكنه أنكر عليه الطريقة، وقال: (إنما كان يكفيك أن تضرب بيدك هكذا) وعلمه التيمم الصحيح.

20 / 9