وكانت إقامته في عسكره، طال أم قصر سفره وكانت الأخباز والأغنام والحوائج والعلائق، تفرق على عدد الناس والدواب، وعساكره مجرون من جراياتهم، ونفقاتهم وأعطياتهم على المبار والمحاب، فما ينفق لأحد فرس إلا أخلفه عليه، ولا يلتمس صاحب معونة ولا مغوثة إلا عجل بها إليه. وأجناده يتمنون أن تطول أسفارهم، ليدوم لصبح سعادتهم بعطاياه أسفاره. ووصل إلى واسط في أواخر صفر سنة 554 ه، وأناب نائب الوزير ابن هبيرة بها، وخرجت في أصحابي للتلقي، وكنت من زحمة اللقاء على غاية التوقي. فبصرت بموكب الخليفة وقد أقبل في أفواجه، كأنه البحر في أمواجه. فنزلت وتقدمت إليه، وقبلت الأرض بين يديه. فوقف لأركب إشفاقا علي من الزحمة، وكانت فطرته مجبولة على الرأفة والرحمة. وقال له مخلص الدين ابن الكيا الهراسي: هذا الذي يقول في أمير المؤمنين من قصيدته، كأنه يصف هذه الحالة:
لما شفعت العزم وهو مؤيد بالحزم أسفر بالمنى منك السفر
وبرزت مثل الشمس تشرق للورى وسناك يحجب عنك ناظر من نظر
بمظلة سوداء تحكي هالة وجه الإمام يضيء فيها كالقمر
وقال الوزير: هذا صاحبي وقد وليته، وأصحبته وأوليته. وبهج بخدمتي ونجح، وبذخ بنيابتي ورجح. فوصى الإمام وزيره بي، وأعجبه سمتي وأسلوبي. وسار على رسله ودخل إلى دار الديوان، وجلس ساعة في الإيوان. ثم قام وجلس الوزير في الدست، وكتب ووقع، وقال وأسمع. والناظر حينئذ في واسط الأمير شمس الدين أبو الفضائل فاتن، وهو من أكابر الخدم الذين لهم المزايا والمزاين. ثم انتقل الخليفة إلى سرادقه، والوزير إلى مضاربه، ونزل أرباب الدولة كل منهم على مراتبه.
Page 374