قال: وحضرت بميدان واسط، والمقتفي رضي الله عنه حاضر، ومعه أولاده ولي العهد المستنجد يوسف، وأبو علي، وأبو أحمد، وولده المستنجد أبو محمد. وهو المستضئ الذي تولى بعده، ولعبوا بالكرة. ولم يلبث بواسط ثلاثة أيام، حتى عاد إلى بغداد سريعا، وكان وصوله للانحدار إلى الغراف، فزاد الماء زيادة منعت العبور، فرجع على نية الرجوع. وعند عودته غرقت بغداد، وذلك في شهر ربيع الأول سنة 554 ه ، وذلك لأن الماء زاد في تلك السنة على خلاف عادته. وتهور به بثق القورج وتقور، وغلب وبلغ السور من صوب الظفرية وتسور. وطاف بتلك النواحي طوفان نوح، وراح شبح كل بناء بغير روح. وكان ذلك منظرا هائلا، وقدرا نازلا. وطارقا كثرت طرقه، وفتقا عسر رتقه. وركب الوزير وأرباب الدولة فصدوه وسدوه، وردعوه وردوه، واتفق أنه نقص ووقف. وغرق من ذلك الماء العظيم غرف. ولما انصرم الصيف وانكسر الحر، وصل المقتفي إلى واسط مرة أخرى، وانحدر إلى ناحية الغراف، وعزل عن ولايتها ظفرا خادمه، وولاها أبا جعفر ابن البلدي. وقبض على ابن أفلح وزير ظفر وعاقبه، وألزمه بما استخرجه من دفائن ابن حماد وطالبه. وكبا به الفرس في بعض تلك السواقي فوقع وتألم، واعتذر بصحته إليه القدر مما تجرم، وذلك في شهر رمضان من السنة.
ولما دخلت سنة 555 ه، خرج الخليفة إلى هيت، وكان مقطعها نور الدولة ابن الأمير العميد، فحل عنه الإقطاع، وألزمه شحه المطاع. وأقبل من سفره سافر الإقبال، ظافر الآمال. فما عاد حتى عاده سقم، وألم به ألم. فتوفى في يوم الأحد ثاني شهر ربيع الأول سنة 555 ه، وانتقل إلى جوار الرب، طاهر الذيل نقي الجيب، أمين الغيب، بريا من العيب. ولما عرف ولده وولي عهده الإمام المستنجد بالله أبو المظفر يوسف، أن والده قد وقع اليأس عنه أشفق من إتمام الأمر لأخيه أبي علي، وأنه للعهد غير ولي. وهجم الدار، وقبض الكبار والصغار، وعقل واعتقل، ونقل وانتقل.
وبويع له بالخلافة يوم وفاة والده، واحتوى على طارفه وتالده. وقبض عدة من الأمراء الخيلية مماليك الخليفة المقتفي وأعدمهم، وانتخب جماعة من مماليكه وأمرهم وقدمهم، وأخذ القاضي سديد الدين بن المرخم أخذا شديدا، وردد العذاب عليه ترديدا إلى أن فاضت نفسه، وغاض به رمسه. وحبس المخلص ابن الكيا الهراسي مدة أيام خلافته. وحرمه حظ عاطفته ورأفته. وأقر عضد الدين ابن رئيس الرؤساء على أستاذية الدار، ورفع قدره على الأقدار. وأقر عون الدين ابن هبيرة على وزارته، وبقي ماء الدولة به على غزارته. واستولى على دولته مملوكه قايماز، وعز بالاستظهار وظهر بالإعزاز.
ذكر ما آل إليه أمر السلطان سليمان، وكيف جفاه زمانه وخان وكيف قبض من مجلسه ملكه، ونقل إلى منزل هلكه
Page 375