Tamhid Fi Sharh
============================================================
النمهيد شح معالم العدل والتوحيل قديما أو حادثا، وسواء كان النهي قديم أو حادث، ثم كان يلزم فيمن لا يعرف قدم النهي والناهي ألا يعلم قبح هذه الأمور، وهو باطل كما قدمنا. فإن قالوا: إنما يقبح لأنه نهي من مالك رب. قلنا: ولم إذا كان مالكا ربا يكون نهيه قبيحا.
فإن قالوا: إنما يقبح لأنه منعم. قلنا: ولم إذا كان منعما بأصول النعم يكون نهيه قبيحا، فإن قالوا: قبح نهيه لا يعلل، قلنا: فلم يكن ليقبح لا لأمر بأولى من أن يحسن لا لأمر، فيلزم أن يكون قبيحا حسنا لا لأمر، وهذا كله محال، فبطل قولهم بأن القبيح إنما كان قبيحا لأجل النهي: المسلك الخامس ذكره بعض أصحاب أبي هاشم، وحاصله أنا قد علمنا تباين هذه الأفعال واختلافها، ففيها ما يستحق الذم بفعله وهو القبيح، وفيها ما يستحق الذم بتركه وهو الواجب، وفيها ما يستحق المدح بفعله ولا يستحق الذم بتركه وهو المندوب، وفيها ما لا يستحق المدح بفعله ولا يستحق الذم بتركه ولا يترجح فعله على تركه وهو المباح، فنقول: اختلاف هذه الأفعال على هذه الوجوه لا يخلو إما أن يكون لأمر أو لا لأمر، وباطل أن يكون اختلافها لا لأمر؛ لأن اختلاف هذه الأفعال أمر معقول متميز، فلا يمكن أن يقال إنه ثبت بعد أن لم يكن ثابتا لا لأمر، وإن كان اختلافها ثابتا لأمر فذلك الأمر لا يخلو إما أن يكون هو ذواتها أو أمر خارج عن ذواتها، وباطل أن يكون هو ذواتها، وإلا لكان يلزم أن تكون كلها واجبة معا أو قبيحة كلها، ولكان يلزم أن تجتمع لها هذه الأحكام كلها، فيكون كل فعل منها واجبا قبيحا بذيثا مباحا مكروها، وهذا محال، فبطل أن يكون اختلافها لذاتها. وإن كان اختلافها لأمر خارج عن ذاتها فلا يخلو إما أن يكون فاعلا أو علة، وباطل أن يكون فاعلا؛ لأن الفاعل لا أثر له في ذلك، وإلا لكان يلزم أن يجعل الظلم حسنا والعدل قبيحا، وباطل أن يكون ذلك علة؛ لأن العرض لا يقوم بالعرض ولا يختص به فإذا بطلت هذه الأمور لم يبق إلا أن المؤثر في اختلافها وتباينها في أحكامها وقوعها على
Page 375