Tamhid Fi Sharh
============================================================
السهيد شح معالمر العدل والنوحيد وثالثها البحث عن ماهية الظلم.
فانه مما تمس الحاجة إلى فهمها، وقد ذكر صاحب المعتمد في حده بأنه ضرر ليس بمستحق وليس فيه نفع ولا دفع ضرر أعظم منه، معلوم أو مظنون، ولا يكون مفعولا في مجرى العادة على جهة الدفع عن النفس.
والعجب من الشيخ محمود من إغفاله في تعريف حقيقة الظلم لأمرين: أما أولا فلأنه لم يذكر تقييد المنفعة بكونها أكبر، ولا بد منه، وإلا لزم ألا يوجد ظلم في العالم على حال؛ لأن كل ظلم فإن الله يضمن للمظلوم عوضا مساويا لإجراء الضرر من غير زيادة ولا نقصان، وإذا كان الأمر كذلك لم يخل شيء من المضار عن المنافع، فلو لم يعتبر في المنفعة أن تكون زائدة لوجب ألا يكون للظلم وجود أصلا .
وأما ثانيا فلأنه لم يذكر أيضا كون الضرر في الحكم كأنه من جهة غير فاعله، ولا بد من ذكره، وإلا لزم أن يكون إلقاء الصبي في النار ظلما من الله تعالى، وهو باطل. فالأحسن إذا في تعريفه أن يقال: إنه ضرر عار عن جلب منفعة أكثر منه أو دفع مضرة أعظم منه مظنونين أو معلومين، أو استحقاق من غير أن يكون في الحكم كأنه من جهة غير فاعل الضرر. قلنا: ضرر. نعني به الألم والغم وما يؤدي إليهما، وقلنا: عار عن جلب منفعة أكثر منه، احترازا عن الآلام المحتملة لاكتساب المغانم والآداب، وقلنا: أو دفع مضرة، احترازا عن قطع اليد لاصلاح جميع البدن، وقلنا: معلومين أو مظنونين، العلم والظن سيان في ذلك، وقلنا: أو استحقاق، احترازا عن إنزال العقوبات بمستحقيها، فلا يكون ظلما من فاعلها لمكان الاستحقاق. وقلنا: من غير أن يكون في الحكم كأنه من جهة غير فاعل الضرر، احترازا عمن ألقى صبيا في النار ليحترق، فإنه في الحكم كأنه من جهة الملقي، فلا يكون من فاعل الضرر، ولا يحتاج إلى قولنا من غير أن يكون في الحكم كأنه من جهة المضرور؛ لأنه يذكر
Page 365