Tamhid Fi Sharh
============================================================
الشهيد شح معالم العدل والتوحيل فإذا عرفت هذا التفصيل فنقول: أما أن الأدلة الشرعية لا يجوز استعمالها في القسم الأول فهو ظاهر، وإلا وقع الدور. وأما أنه يجب استعمالها في القسم الثاني فهو ظاهر أيضا بما قدمناه، فلو لم يحصل من جهة الشرع لانسد علينا طريق العلم به. وأما القسم الثالث ففي جواز استعمال الأدلة السمعية فيه نظر؛ لأن لقائل أن يقول: إذا قلتم بأن الأدلة العقلية والسمعية يجريان في هذا القسم، فلو قدرنا قيام الدليل العقلي القاطع على خلاف ما أشعر به ظاهر الدليل السمعي فكيف يكون الحكم فيه.
والجواب أنه لا خلاف بين أهل التحقيق أنه يجب تأويل الأدلة السمعية على مقتضى أدلة العقل وتنزيلها على معناها؛ لأنه إذا لم يمكن الجمع بين ظاهر النقل وبين مقتضى دليل العقل فإما أن يكذب العقل أو يأول النقل، فإن كذبنا العقل مع أن أدلة النقل لا يمكن إثباتها إلا بالعقل، فإن الطريق إلى إثبات الصانع وحكمته ومعرفة النبوة إنما هو بالأدلة العقلية، فحينئذ تصحيح الأدلة النقلية برد أدلة العقل يتضمن القدح في أدلة النقل، وما أدى ثبوته إلى انتفائه فهو باطل ، ولما بطل ذلك تعين تأويل أدلة النقل.
لا يقال: فيجب على هذا التقرير أن يكون الأدلة السمعية لا تفيد العلم اليقين بوجود مدلولاتها إلا إذا علمنا أنه ليس في العقل ما يقتضي خلاف ظاهرها، ولا طريق لنا إلى العلم بأنه ليس في العقل ما يقتضي خلاف ظاهرها إلا بحصر لا يفيد القطع، فحينئذ يحصل من هذا أن الأدلة السمعية لا تفيد العلم اليقيني بمطلوب بحال.
لأنا نقول: إنما نستدل على الأمور القطعية بالمسالك السمعية بما يكون منها نصا قاطعا لا احتمال فيه، وما كان منها بهذه الصفة استحال أن يكون في العقل ما يخالفه، فحينئذ يحصل العلم اليقيني بما أفادته القواطع السمعية دون ما كان منها محتملا، فلا صحة لايراده في مواضع القطع، فثبت بما ذكرنا ما يصح الاستدلال عليه بأدلة السمع وما لا يصح.
Page 351