Tafsīr Bayān al-Saʿāda fī maqāmāt al-ʿibāda
تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
[7.83-84]
{ فأنجيناه } بعد اتمام الحجة عليهم { وأهله إلا امرأته } فانها كانت تسر الكفر وتوالى اهل القرية { كانت من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا } عجيبا وهو امطار الحجر { فانظر } يا محمد (ص) او يا من يمكن منه النظر { كيف كان عاقبة المجرمين } فى الخبر ان لوطا (ع) لبث فى قومه ثلاثين سنة وكان نازلا فيهم ولم يكن منهم يدعوهم الى الله وينهاهم عن الفواحش ويحثهم على الطاعة، فلم يجيبوه ولم يطيعوه وكانوا لا يتطهرون من الجنابة بخلاء اشحاء على الطعام فاعقبهم البخل الداء الذى لادواء له فى فروجهم، وذلك انهم كانوا على طريق السيارة الى الشام ومصر وكان ينزل بهم الضيفان فدعاهم البخل الى ان كانوا اذا نزل بهم الضيف فضحوه، وانما فعلوا ذلك لينكل النازلة عليهم من غير شهوة لهم الى ذلك فأوردهم بالبخل هذا الداء حتى صاروا يطلبونه من الرجال ويعطون عليه الجعل، وكان لوط (ع) سخيا كريما يقرى الضيف اذا نزل بهم فنهوه عن ذلك، فقالوا لا تقر ضيفانا تنزل بك فانك ان فعلت فضحنا ضيفك فكان لوط (ع) اذا نزل به الضيف كتم امره مخافة ان يفضحه قومه وذلك انه لم يكن للوط (ع) عشيرة فيهم.
[7.85]
{ وإلى مدين أخاهم شعيبا } نقل انهم كانوا اولاد مدين بن ابراهيم (ع) وشعيب كان منهم وسموا باسم جدهم وسميت قريتهم به ايضا وهى لا تكمل اربعين بيتا { قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جآءتكم بينة من ربكم } والبينة هى محاجته الواضحة التى لا يمكنهم ردها لانها كانت مما يرتضيها كل ذى شعور خال عن اللجاج، فان معرفة الرسول برسالته اولى من معرفته بالمعجزة او معجزة كانت له مثل معجزة صالح ولكن لم تذكر لنا { فأوفوا الكيل والميزان } يعنى بعد اتيان البينة لا عذر لكم فى عدم قبول قولى فتقبلوه واوفوا الكيل والميزان والايفاء اداء تمام ما حقه ان يؤدى والمراد ايفاء ما يتقدر بالكيل والوزن نسب اليهما لاستلزام نقصان المكيل نقصان الكيل وكذا الموزون وما يوزن به كما نسب النقص اليهما فى محل اخر، ولا يخفى عليك تعميم الكيل والميزان للمحسوس منها وغيره من الانبياء والاولياء واخلاقهما وسننهما وآدابهما ومن الكتب السماوية والشرائع الآلهية، وهكذا التعميم فى العالم الكبير والصغير { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } اما تأكيد لايفاء الكيل والميزان على ان يكون المراد بالاشياء هى المكيلات والموزونات او يكون المراد بالمكيل والموزون هو مطلق الاشياء بناء على تعميم الكيل والميزان، فانه ما من شيء جسمانى او غير جسمانى الا يمكن فيه تحديد او تعميم بعد تخصيص على ان يكون المراد بالمكيل والموزون المتقدرين بالآلة المخصوصة، او تأسيس وتفصيل مع سابقة لكيفية المعاشرة على ان يكون المراد ببخس الناس اشياءهم اخذ الزيادة عن الحق منهم، او تخصيص بعد تعميم بناء على تعميم الكيل والوزن حتى يكون اعم من المعاملة مع الناس ومن المعاملة مع الله ويكون شاملا لجميع الاشياء وتخصيص البخس بالناس او بينهما عموم من وجه بناء على تخصيص الكيل والميزان بما يتقدر بهما سواء كان المعاملة مع الله او مع الناس وتعميم الاشياء وتخصيص البخس بالناس { ولا تفسدوا في الأرض } تعميم بعد تخصيص كسابقه او تأسيس على ان يكون المراد بالافساد اهراق الدماء والقاء العداوة بين العباد والاسر والنهب والتعدى عليهم ومنع جميع الحقوق من اهلها واعطائها لغير اهلها، او على ان يكون المراد بالافساد هو منع العباد من طريق الآخرة وهو طريق الولاية فيكون قوله: { ولا تقعدوا بكل صراط توعدون } تفسيرا له، والمراد بالارض اعم من ارض العالم الصغير والعالم الكبير { بعد إصلاحها } بالعقل فى الصغير وبالانبياء واوصيائهم فى الكبير، والمراد بهذا القيد بيان ان الواقع هكذا والاشعار بغاية قبح الافساد لا التقييد به { ذلكم } المذكور من الايفاء وترك البخس والافساد { خير لكم } مما تزعمونه خيرا من جلب النفع بالتطفيف والافساد، او المراد مطلق الفضل لا التفضيل فانه كثيرا ما يستعمل من غير ارادة التفضيل { إن كنتم مؤمنين } معتقدين بالله والآخرة شرط تهييج بناء على كون ايمانهم بالله مقطوعا به للمتكلم والمخاطب بحسب اقرارهم، او شرط تقييد بناء على كونه مشكوكا فيه او منزلا منزلة المشكوك سواء قدر الجزاء موافقا لاوفوا (الى آخره) او موافقا لقوله: ذلكم خير لكم وعلى التقييد يكون بمفهومه تهديدا لهم يعنى ان لم تكونوا مؤمنين فافعلوا ما شئتم او فليس ذلكم خيرا لكم بل لم يكن حينئذ فرق بينه وبين ضده لكم.
[7.86]
{ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون } اخره عن قوله: ذلكم خير لكم اشارة الى عدم تسويته مع ما سبق فى القبح وانه لا يتصور فيه خير نفسانى ايضا وانه اقبح الاشياء للمؤمنين وغيره، وقيل فى نزوله: انهم كانوا يقعدون فى الطريق يتوعدون من اراد شعيبا ومن آمن به ويلقون الشبهات على الخلق باظهار اعوجاج دينه واختلال طريقه كما كان ديدن الخلق كذلك قديما وجديدا خصوصا فى زماننا هذا، او المقصود نهيهم من القعود فى طرق النفوس كالشيطان وصد سبيلهم الى الله والى خلفائه { وتصدون } عطف على توعدون { عن سبيل الله من آمن به } اى بالله يعنى تصدون من أيقن بالله عن سبيل الله التى هى قبول النبوة بالبيعة العامة او تصدون من آمن بالله بقبول الدعوة العامة وبالبيعة النبوية عن سبيل الله التى هى قبول الولاية بالبيعة الخاصة { وتبغونها عوجا } تطلبون لسبيل الله اعوجاجا حتى تظهروه على الخلق وتصدونهم عنها او تبغونها من حيث عوجها او تبغونها حال كونها معوجة يعنى ان كانت معوجة تطلبونها بخلاف ما اذا كانت مستقيمة لاعوجاجكم { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } بعد ما امرهم ونهاهم بضد فعلهم ذكرهم نعمة الله التى هم فيها من البركة فى النسل او فى المال ليكسر به سورة غضبهم حتى يستعدوا لقبول نصحه بتذكر النعمة وشكرها { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } ذكرهم النعمة التى هى اثر رحمته تعالى والنقمة اللاحقة لامثالهم بسبب الافساد التى هى اثر غضبه جمعا بين اللطف والقهر والتبشير والانذار كما هو وظيفة الدعوة والنصح.
[7.87]
{ وإن كان طآئفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطآئفة لم يؤمنوا } الاتيان باداة الشك اما للتجاهل او لشك المخاطب { فاصبروا } فانتظروا؛ الخطاب لمجموع الطائفتين وعدا للمؤمنين ووعيدا للكافرين { حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين } اما فى الدنيا بنصرة المحق على المبطل او فى الآخرة بانعام المحق والانتقام من المبطل.
[7.88]
{ قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يشعيب والذين آمنوا معك من قريتنآ } بعد العجز عن المحاجة والحجة اجابوه بالتخويف كما هو شأن اهل الزمان من المبادرة الى التهديد بالقتل ونحوه عند العجز عن الحجة { أو لتعودن في ملتنا } لما كان اعتقادهم ان شعيبا كان على ملتهم ثم خرج منها وادعى النبوة اعزازا لنفسه قالوا: لتعودن، او كان (ع) قبل التكليف مستنا بظاهر سننهم ثم خرج منها حين الرشد او حين اظهار النبوة او غلب جانب اتباعه فى اطلاق العود، عليه او العود بمعنى الصيرورة من الافعال الناقصة، وعلى اى تقدير لا يلزم منه ان يكون (ع) على ملة باطلة حتى يرد ان الانبياء (ع) معصومون عن الخطاء والشرك { قال أولو كنا كارهين } تعيدوننا فى ملتكم يعنى ان الدخول فى الملة حقيقة لا يكون الا عن اعتقاد بصحتها، ولا يقع الاعتقاد بصحة ملة الا من حجة، ولا حجة لكم على صحتها بل لى الحجة على بطلانها فكيف يتصور لى الدخول فى ملتكتم مع كراهتى للدخول فيها.
Unknown page