Tafsīr Bayān al-Saʿāda fī maqāmāt al-ʿibāda
تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
[7.71-72]
{ قال قد وقع عليكم من ربكم رجس } اى عذاب اتى بقد والماضى تحقيقا لتحققه، او للاشارة الى ان ما هم عليه من السفاهة والضلالة والمجادلة مع رسول الله (ص) عذاب اليم، لكنهم لا يدركون ألمه لكون مداركهم خدرة { وغضب } اخر الغضب مع انه بالتقديم اولى لتقدمه ذاتا وشرفا، لانه لا يظهر الا بالرجس المسبب عنه فالرجس اسبق ظهورا منه { أتجدلونني في أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم } اعلم، ان الاسم ما يدل على شيء آخر بحيث لا يكون حين الدلالة على المسمى منظورا اليه ومقصودا ومحكوما عليه بشيء، سواء كان ذلك الدال لفظا او نقشا او مفهوما ذهنيا او ذاتا خارجيا مثل لفظ زيد، فانه اسم للذات المعينة المخصوصة واذا اريد دلالته على تلك الذات فى قولنا: جاء زيد، لم يكن ذلك اللفظ منظورا اليه ولا محكوما عليه هذا الاعتبار، بل النظر والقصد الى تلك الذات بحيث يكون اللفظ مغفولا عنه، وبهذا الاعتبار هو اسم للذات ولا يحكم عليه بشيء من الاحكام، واذا اعتبر هذا اللفظ من حيث اعتباره فى نفسه مع قطع النظر عن اعتبار دلالته على المسمى بل من حيث انه مركب عن حروف ثلاثة متحرك الاول ساكن الاوسط يصير حينئذ محكوما عليه ومنظورا اليه ومسمى باسم اللفظ والموضوع والاسم المقابل للفعل، وهذان الاعتباران كما هما ثابتان للالفاظ الدالة والاسماء اللفظية كذلك ثابتان لكل ما يدل على غيره من الذوات، ثم اعلم، ان جميع الاشياء من الذاوات النورية الملكية والظلمانية الطبيعية والشيطانية آثار صنعه تعالى ودوال وحدته وعلمه وقدرته ومظاهر جوده ولطفه وقهره، وهى بهذا الاعتبار اسماؤه ولا حكم لها ولا اسم ولا رسم وليست مسميات وهى بهذا الاعتبار قضاؤه؛ والرضا بها واجب وعبادتها عبادة الله ومحبتها محبة الله لانها غير منظورات ولا مقصودات بهذا الاعتبار، واذا جعلت منظورا اليها ومحكوما عليها ومسميات باسمائها الخاصة كانت بهذا الاعتبار مقابلات له تعالى وثوانى ولم تكن دوال ذاته وعلمه وقدرته بل كانت حينئذ مدلولات ومسميات ومقتضيات، والنظر اليها وعبادتها والرضا بها كفر وشرك والناظر ملوم ومذموم، وبهذا الاعتبار ورد: الرضا بالكفر كفر. ثم اعلم، ان الانسان ما لم يخرج من بيت نفسه ولم يهاجر الى رسول صدره ولم يتوجه الى نبى قلبه باعانة ولى امره لا يمكن له النظر الى الاشياء من حيث انها دوال ذاته تعالى بل لا يرى فى الوجود الا الاشياء المتكثرة المقابلة للوحدة مستقلات مدولات مسميات وان كانت بحسب الواقع ونفس الامر متعلقات صرفة غير مستقلات لا حكم لها اصلا، لكنها فى نظر المتوطن فى بيت نفسه وبلد طبعه لا شأن لها الا المباينة والاستقلال وعدم التعلق والدلالة على شيء، لكنه لما كان مأمورا بالخروج من هذا البيت وحج بيت الله القلب والطوف به بل الاقامة عنده ثم الوصول الى ربه والحضور لديه، ولا يمكنه الخروج الا باعانة معاون خارجى ورفاقة رفيق بشرى وكلما فرض معاونا له ليس فى نظره الا محكوما عليه ومتسقلا ومسمى غير دال على الله وغير اسم له، جعل الله تعالى له معاونا يعينه على خروجه وامره باتباعه ونصب له حجة على جواز النظر اليه والاخذ منه والتضرع لديه وان كان فى نظره مسمى ومحكوما عليه ومستقلا، فكونه مطاعا ومتبوعا ومعبودا عبادة الطاعة مع كونه ثانيا لله ومقابلا ومسمى ومحكوما عليه فى نظره مما انزل الله به حجة وسلطانا وليس الناظر اليه مذموما وملوما ولا كافرا ومشركا، اذا علمت ذلك فمعنى الآية لا ينبغى لكم المجادلة مع الرسول فى تصحيح اسماء لا حكم لها وليست مسميات ومستقلات بل متعلقات صرفة وروابط محضة جعلتموها انتم وآباؤكم مسميات بمقتضى وقوفكم فى رساتيق انفسكم، والحال انها { ما نزل الله بها } اى معها او فيها او بسببها { من سلطان } اى سلطنة او حجة وبرهان من هذه الحيثية اى كونها مسميات ومنظورا حتى يرفع اللوم عنكم ويتبدل شرككم بالنظر الى الحجة بالتوحيد بوجه ما { فانتظروا } امر الله فى حقكم وحقى { إني معكم من المنتظرين فأنجيناه والذين } آمنوا { معه برحمة منا } التقييد به تنبيه على انه لا يجوز لاحد النظر الى عمله والاتكال عليه، فان العمل ليس له الا اعداد القابل للقبول واما فعل الفاعل فغير مسبب عنه كما مر مرارا { وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا } تكليفا { وما كانوا مؤمنين } تكوينا او كلاهما عامان او خاصان بمعنى واحد، والثانى تأكيد للاول ومعنى قطع الدابر الاستيصال وعدم بقاء عقب لهم، وورد ان هودا (ع) وصالحا (ع) وشعيبا (ع) واسمعيل (ع) ونبينا (ص) كانوا يتكلمون بالعربية.
[7.73-78]
{ وإلى ثمود أخاهم صالحا } ثمود اسم قبيلة مسماة باسم ابيهم ثمود من اولاد سام بن نوح (ع) وصالح (ع) كان من اولاده، او ثمود اسم قرية صغيرة على ساحل البحر لا تكمل اربعين بيتا كما فى الخبر { قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جآءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية } هذه ناقة الله مبتدء وخبر مستأنف لبيان البينة ولكم حال عن ناقة الله، او عن آية، او خبر بعد خبر، وآية حال مترادفة، او متداخلة، او منفردة، او ناقة الله بدل من هذه، او عطف بيان ولكم خبر وآية حال من المستتر فيه { فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم واذكروا } تذكير للنعم بعد التهديد من النقم { إذ جعلكم خلفآء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال } التى هى خزنتها { بيوتا فاذكروا آلآء الله } تعميم بعد تخصيص { ولا تعثوا في الأرض مفسدين قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا } دينا او مالا او حالا او جسما { لمن آمن منهم } بدل من قوله للذين بدل الكل ان كان المراد الاستضعاف فى الدين والطريقة، او بدل البعض ان كان المراد مطلق الاستضعاف { أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه } استهزؤوا بهم { قالوا } فى جوابهم من غير مبالاة باستهزائهم زائدا على الجواب الذى هو الاقرار برسالته بالانقياد لما ارسل به والطاعة له { إنا بمآ أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون فعقروا الناقة } بتحريك بعضهم ورضا بعض وعقر بعض { وعتوا عن أمر ربهم } على لسان صالح وهو قوله فذروها تأكل فى ارض الله او عن مطلق امره على لسان نبيه ولم يطيعوه فى شيء منه، او عن امر ربهم الذى هو العقل وحكمه فانه امر تكوينى { وقالوا } تجريا على الرب ورسوله { ياصالح ائتنا بما تعدنآ إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة } الزلزلة ولا ينافيها قوله تعالى فاخذتهم الصيحة كما فى سورتى هود والحجر لان الزلزلة كانت مسببة عن الصيحة { فأصبحوا في دارهم جاثمين } ملزقين بالارض والجثوم اللزوم بالمكان.
[7.79]
{ فتولى عنهم } بعد ما ابصرهم صرعى، والاتيان بالمضارع فى قوله ولكن لا تحبون الناصحين لتصوير المضى حالا احضارا له واشارة الى ان هذا كان ديدنهم كأنه لا ينفك عنهم حتى بعد الموت، او المعنى فتولى عنهم بعد اتمام الحجة عليهم والاتيان به مصدرا بالفاء بعد ذكر اهلاكهم لانه تفصيل لسبب الاهلاك ومن قبيل عطف التفصيل على الاجمال { وقال } تحسرا او تبريا { ياقوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين } قصة صالح وناقته وكيفية خروجها باقتراحهم عن الجبل ومتاركته مع قومه وكيفية عقر الناقة واهلاكهم مذكورة فى المفصلات.
[7.80-81]
{ ولوطا } عطف على نوحا ولوط (ع) كان ابن خالة ابراهيم (ع) وكانت سارة زوجة ابراهيم (ع) اخت لوط وخرج ابراهيم (ع) من بلاد نمرود الى الشام ومعه لوط وسارة وخلف لوطا بادنى الشامات للدعوة وذهب هو الى اعلى الشامات { إذ قال لقومه } فى الدعوة والمعاشرة لا فى النسب والملة { أتأتون الفاحشة } المعهودة وهى اتيان الرجال والاعراض عن النساء { ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة } صرح بما كنى عنه اولا تفضيحا وتوبيخا ولذلك اتى به مؤكدا بتوكيدات توكيدا للتوبيخ { من دون النسآء بل أنتم قوم مسرفون } يعنى لستم عادلين بل انتم قوم مسرفون، فهو من قبيل العطف باعتبار المعنى.
[7.82]
{ وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم } يعنى ما كان لهم جواب يصلح لمقابلة محاجته ونصحه ولذا عدلوا عن المحاجة اللسانية الى المغالبة القالبية وعللوه بما هو دليل صحة نصحه، فقالوا { إنهم أناس يتطهرون } من الفواحش وامثال افعالنا.
Unknown page