Tafsīr Bayān al-Saʿāda fī maqāmāt al-ʿibāda
تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
[7.53]
{ هل ينظرون } ما ينتظرون { إلا تأويله } ما يؤل الكتاب اليه او تأويلنا وارجاعنا ذلك الكتاب الى حقيقته التى هى مقام الولاية التى هى روحه واصله ومرجعه { يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه } ضمير المفعول راجع الى دينهم او الى لقاء يومهم هذا او الى كتاب فصلناه او الى تأويله ومآل الكل واحد والمعنى يقول الذين نسوا حقيقة الدين او الكتاب يعنى تركوها مع الاسشعار بها، فان النسيان قد يستعمل فى الترك، او غفلوا عنها بعد الاستشعار والتذكر بها او لم يستشعروا بها ولم يتذكروا بها فانها كانت معلومة مشهودة وبعد تنزل الانسان الى هذا البنيان صارت منسية وجميع الشرائع والعبادات والرياضات لان يتذكروا ما نسوه من حقيقة الدين واتخذوا صورته للاغراض الدنيوية { من قبل } من قبل اتيان التأويل تحسرا واقرارا بحقيته { قد جآءت رسل ربنا بالحق } وبالولاية التى كانت حقا او بالرسالة الحقة وقد اعرضنا عنه ظلما على انفسنا { فهل لنا من شفعآء } اليوم { فيشفعوا لنآ } عند ربنا فى الولاية الذى هو ولى امرنا او عند رب الارباب { أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم } بصرف دينهم الذى هو اعظم بضاعة لهم فى الاغراض الفانية { وضل عنهم ما كانوا يفترون } اشراكه بالله وشفاعته عند الله من الاصنام والكواكب ورؤساء الضلالة، والمنظور هو العجل وسامريه ووجه ضلال مفترياتهم انهم كانوا ينظرون اليها من حيث حدودها وتعيناتها، لانهم كانوا جعلوها مسميات ويفنى كل شيء حينئذ من حيث الحدود من حيث كونه مسمى لفناء التعينات والحدود حين ظهور الولاية التى هى الوحدة الحقة الظلية كما سبق.
[7.54]
{ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام } اعلم، ان فعل الله تعالى لا يتقيد بالزمان وقد قالوا: ان الافعال المنسوبة الى الله منسلخة عن الزمان فان المحيط كما لا يحاط ذاته بالزمان لا يحاط فعله بالزمان، وان ايام الله محيطة بالايام الزمانية ومقادير ايام الله متفاوتة بحسب تفاوت مراتب فعله فقد تتقدر بالف سنة وقد تتقدر بخمسين الف سنة، وان السماوات فى عرف اهل الله عبارة عن عوالم الارواح المجردة عن المادة وعن التقدر، والارض عبارة عن عوالم الاشباح مادية كانت او مجردة عن المادة كعالمى المثال ومنها سماوات عالم الطبع لتقدرها وتعلقها بالمادة، وان مراتب الممكنات التى هى مخلوقات الله وفيها تتحقق السماوات والارض بوجه ست وبوجه ثلاث صائرة بحسب النزول والصعود ستا وهى مرتبة المقربين المهيمين الذين هم قيام لا ينظرون، ومرتبة الصافات صفا ويعبر عن الصنفين بالعقول الطولية والعقول العرضية المسماة بارباب الانواع فى لسان حكماء الفرس، ومرتبة المدبرات امرا ومرتبة الركع والسجد، ومرتبة المتقدرات المجردة عن المادة، ومرتبة الماديات وخلقة السماوات والارض وتماميتها فى تلك المراتب الست، واذا اريد بالسماوات والارض سماوات عالم الطبع وارضه فخلقتها بوجودها الطبيعى وان كانت فى عالم الطبع لكنها بوجودها العلمى موجودة فى المراتب العالية عليه وهذه هي الايام الستة الربوبية التى خلقت السماوات والارض فيها، وتلك المراتب مع المشية التى هى عرش الرحمن بوجه وكرسيه بوجه تصير سبعا نزولا، وباعتبار صعودها تصير مثانى وهذه هى السبع المثانى التى اعطاها الله محمدا (ص)، ولما كان المتحقق بتلك المراتب نزولا وصعودا منحصرا فى الائمة (ع)، لانهم المتحققون بها على الاطلاق وغيرهم متحققون بها بتحققهم قالوا: نحن السبع المثانى التى اعطاها محمدا (ص) بطريق الحصر، ثم لما كان عرش الرحمن الذى هو المشية التى هى الحق المخلوق به اضافته الاشراقية المأخوذة لا بشرط وكان بهذا الاعتبار متحدا مع جميع الاشياء، بل كان حقيقة كل ذى حقيقة وكان باعتبار كونه اضافة ومأخوذا لا بشرط لا تحقق له الا بتحقق جميع ما ينضاف اليه ولا يتم الا بما ينضاف اليه، قال بعد ذكر خلق السماوات والارض التى هى جملة الاشياء { ثم استوى على العرش } معطوفا بكلمة التراخى، لان الاستواء فى العرف هو الجلوس على العرش ولا يتم هذا المعنى الا بتمامية العرش وليس تمامية العرش الا بتمامية السماوات والارض، ولذا فسروا الاستواء لنا باستواء نسبته الى الجليل والدقيق، ولما كانت المشية اضافته الحقيقية الى الاشياء كانت ذات جهتين جهة الى المضاف وجهة الى المضاف اليه، وباعتبار جهتها الى المضاف تسمى عرشا ولذا يطلق عليها هذا الاسم حين تنسب الى الله، وباعتبار جهتها الى المضاف اليه تسمى كرسيا ولذا يطلق عليها هذا الاسم حين تنسب الى الاشياء وسع كرسيه السماوات والارض، وورد ان جميع الاشياء فى الكرسى والكرسى فى العرش، ووجه كون الكرسى فى العرش ان الجهة المنسوبة الى المضاف محيطة بالجهة المنسوبة الى المضاف اليه، وقد يسمى عقل الكل بالعرش ونفس الكل بالكرسى لكونهما مظهرى الجهتين، وقد يسمى الفلك المحيط عرشا والفلك المكوكب كرسيا لكونهما مظهرى هذين المظهرين { يغشي الليل النهار } يغطى بليل الزمان نهار الزمان، وبليل عالم الطبع نهار عالم الارواح، وبليل الملكوت السفلى نهار الملكوت العليا، وبليل طبع الانسان نهار روحه، وبليل جهله نهار علمه، وبليل شهواته وسخطاته نهار رغباته ومرضاته، وبليل رذائله نهار خصائله، وبليل اسقامه نهار صحته، وبليل ضعفه نهار قوته وهكذا { يطلبه } يتعقبه كالطالب له { حثيثا } وفى استعمال الطلب والحث هناك دليل على التعميم وكان المناسب ان يقول: ويكشف النهار الليل او يغشى النهار الليل، ولكنه تعالى تركه اشارة الى اصالة النهار وعرضية الليل ولو قال ذلك لأوهم اصالتها وان تقابلهما تقابل الوجوديين { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } قرئ بنصب الشمس والقمر والنجوم ومسخرات، وقرئ برفعها فهى معطوفة على السماوات على قراءة النصب فيها، او على خلق بتقدير جعل، او على يغشى بتقدير يجعل وعلى قراءة الرفع فيها فهى مبتدء وخبر { ألا له الخلق والأمر } فذلكة لما سبق ولذا أتى باداة التنبيه فانه لما ذكر انه خالق سماوات الارواح واراضى الاشباح وانه المستوى القاهر على العرش الذى هو جملة عالمى الامر والخلق، ثم ذكر تدبيره للعوالم باغشاء الليل النهار على وفق حكمته البالغة، فانه بهذا الاغشاء يتم تربية المواليد ولا سيما غايتها التى هى الانسان، فان الانسان بقالبه وقلبه تستكمل بتضاد الليل والنهار وتعاقبهما بجميع معانيهما وتسخير الشمس والقمر والنجوم الذى به يتم نظام العالم وينتظم معاش بنى آدم، استفيد منه مبدئيته لعالمى الخلق والامر ومالكيته لهما فنبه على المستفاد واتى باللام الدالة على المبدئية والمالكية والمنتهائية، مشيرا الى الاختصاص المؤكد بتقديم الظرف ثم مدح نفسه بكثرة الخيرات مؤكدا بربوبية العالم بقوله { تبارك الله رب العالمين } ثم فرع عليه الامر بالدعاء والتضرع، فان من لا شأن له سوى المخلوقية والمربوبية لا ينبغى له الخروج عن التعلق والدعاء والتضرع عند ربه الذى هو مالك الكل وصاحب الخيرات الكثيرة بقوله { ادعوا ربكم }.
[7.55]
{ ادعوا ربكم } كأنه قال اذا كنتم كذلك فادعوا ربكم، والدعاء يستعمل فى طلب ذات المدعو وفى طلب امر آخر منه كأن المدعو فى الحقيقة هو ذلك الامر، والمدعو مطلوب من باب المقدمة وكلما اطلق الدعاء كان المطلوب ذات المدعو لا امرا غيره الا اذا قامت قرينة على ان المطلوب غيره، والمطلوب هناك ذات المدعو كأنه قال انه حاضر عليكم فى تدبير اموركم وانتم غائبون عنه فادعوه الى بيوت قلوبكم حتى تحضروا عنده بخروجكم عن غيبتكم؛ وهو مشعر بما قالت الصوفية من الفكر والحضور { تضرعا وخفية } مصدر ان لادعوا من غير مادته فان التضرع والخفية عبارة عن نوعى الدعاء ما يظهر على اللسان وما لا يظهر، فان التضرع ملازم للظهور على اللسان او ما يجهر به وما لا يجهر به فان التضرع قلما يخلو عن جهر او بتقدير المصدر اى دعاء تضرع وخفية، او حالان بكون المصدر بمعنى المشتق او بتقدير مضاف اى ذوى تضرع، ولا استبعاد فى ان يقال: المراد بالتضرع هو الدعاء مع الشعور به سواء كان بلسان القالب او بلسان القلب، وبالخفية هو الدعاء بلسان الحال والاستعداد من غير استشعار به فان الخفية الحقيقية هى التى لا يستشعر الداعى بها، وتعلق الامر والتكليف بها باعتبار مقدماتها التى هى بشعوره واختياره، او يقال: المراد بالتضرع هو الدعاء بلسان القالب وبالخفية هو الدعاء بلسان القلب شاعرا بهما؛ وهما اللذان يسميان فى عرف الصوفية بالذكر الجلى والذكر الخفى { إنه لا يحب المعتدين } المتكبرين المستنكفين عن الدعاء المتجاوزين مرتبتهم وشأنهم، لانه من لا يدعو الله من العباد فقد تجاوز عن شأن عبوديته، او المراد بالمعتدين المتجاوزون فى الدعاء حد الدعاء وشأن الداعى من التضرع والانكسار او حد الوسط بالاجهار بالصوت فى الدعاء، او حد الوسط بين الترك والاصرار فانه ورد: انه ما زال المظلوم يدعو على الظالم حتى يصير ظالما.
[7.56]
{ ولا تفسدوا في الأرض } اعلم، ان الانسان ما لم يبلغ حد الرشد والتكليف شأنه شأن البهائم فى طلب المشتهيات بأى نحو اتفق ودفع المولمات كذلك وليس له شأن الايتمار والانقياد الا لمن يخاف منه على بدنه، وليس له شأن الاصلاح فى ارض العالم الصغير ولا فى ارض العالم الكبير، فاذا بلغ وحصل له العقل حصل له شأنية الايتمار والاصلاح فى ارضى العالمين فى الجملة، فان ساعده التوفيق ودعاه الدعاة الآلهيون دعوة عامة ظاهرة وقبل منهم وانقاد لهم بالبيعة العامة النبوية وصار مسلما كمل له شأنية الاصلاح وحصل له الانقياد فى الجملة، فان زاد توفيقه ودعاه الدعاة الآلهيون دعوة خاصة باطنة وقبل منهم وبايع معهم البيعة الخاصة الولوية وتم له الانقياد، فاما ان يلتحق بملكوت الداعى ويحصل له حالة الحضور معه وهو المصلح الحقيقى فى العالمين، واما ان يطلب الالتحاق وشأنه دعاء ربه والتضرع والالتجاء اليه فى غيبته حتى يلتحق به وهو المصلح فى الجملة، وان خذله الله بعد حصول العقل وشأنية الاصلاح ولم يطلب الاسلام، او طلب ودخل فيه ولم يطلب الايمان، او طلب ودخل فيه ولم يكن يدعو ربه ولم يطلب الالتحاق بملكوته صار مفسدا فى العالمين فكأنه قال: ادعو ربكم ولا تتركوا الدعاء فتفسدوا فى الارض { بعد إصلاحها } بالقوة لحصول العقل او بالفعل بالاسلام والايمان وهكذا فى بواقى الاقسام فقوله: ولا تفسدوا فى الارض، من قبيل اقامة المسبب مقام السبب كأنه قال: لا تتركوا الدعاء والالتجاء والتضرع عليه فتفسدوا فى الارضين بعد شأنية اصلاحهما او بعد فعلية اصلاحهما ولكون هذا الدعاء هو غاية كل عبادة وطاعة كرره بذكر جهة اخرى من جهات الدعاء فقال { وادعوه خوفا وطمعا } مصدر ان او حالان كما سبق والمعنى خوفا من فراقه وعدم اجابته وطمعا فى لقائه واجابته، وسائر الوجوه المحتملة راجعة الى هذا، او ضعيفة بحسب مقام دعوة الرب؛ كخوف سخطه وخوف عقابه وخوف رده وخوف عدله خوف ميزانه وخوف خذلاته والخوف من جلاله فان من استشعر فى حضور الملوك جلالهم اسشعر خوفا وهيبة فى نفسه من غير استشعار بسبب لتلك الهيبة، واستعمال الطمع للاشارة الى ان الانسان لا بد وان يكون مترقبا للقاء الرب ورحمته من غير نظر الى حصول اسبابه من قبله او من قبل الله فان فعل الله لا يناط بالاسباب، لان الطمع هو ترقب حصول الشيء من غير تهية سبب لحصوله بخلاف الرجاء ولما اوهم ذكر الطمع قرينة للخوف ترجيح جانب الرجاء وعدم الاناطة بسبب وشرط واستواء نسبة الرحمة الى الكل بحسب القابل كما هو كذلك بحسب الفاعل، رفع ذلك بقوله { إن رحمت الله قريب من المحسنين } تعليلا للخوف والطمع، يعنى ان رحمته من جهة الفاعل وان كانت مستوية النسبة الى الكل غير موقوفة على سبب وشرط لكنها من جهة القابل متفاوتة النسبة فليخف غير المحسن ولا يتكل على عموم رحمته واستواء نسبتها وليطمع المحسن وليجد فى طلب لقائه، وتذكير قريب بتأويل الرحمة بالرحم او بتشبيهه بالفعيل بمعنى المفعول.
[7.57]
{ وهو الذي يرسل الرياح بشرا } قرء بالنون وبالباء جمعا للنشور والبشير وبالضمتين على الاصل وباسكان العين تخفيفا وبالفتح كالنصر مصدرا وهو عطف على قوله، ان ربكم الله الذى خلق السماوات، وهو لبيان الاعادة بطريق التمثيل كما ان الاول لبيان الابداء والتدبير { بين يدي رحمته } يعنى المطر، فانه يسمى بالرحمة فى العرف ولا يخفى تعميم الرياح والرحمة وان كان التمثيل بحسب ظاهر التنزيل { حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا } بالاجزاء الرشية المائية، جمع الوصف وافراد الضمير فى { سقناه } باعتبار معنى الجنس ولفظه { لبلد } اليه او لسقيه او لاحيائه { ميت فأنزلنا } فى ذلك البلد الميت { به المآء } اى بالسحاب او الضمير راجع الى البلد والباء بمعنى فى { فأخرجنا به } بالماء او بالسحاب او بالبلد { من كل الثمرات كذلك } اى كما ترون من نشر الرياح وحمل السحاب وسوقه الى البلد الميت واحيائه باخراج الثمرات { نخرج الموتى } عن الحيوة الحيوانية او عن الحيوة الحقيقية الانسانية بنشر الرياح المختلفة وسوق سحاب الرحمة باعداد الرياح المختلفه من الاستحالات والانقلابات والانتقالات والبلايا والامتحانات، وتهييج الشهوات وايذاء السخطات ووسوسة الشياطين الجنية والانسية، واذا هم الذى عاهدناهم عليه بقولنا
Unknown page