Tafsīr Bayān al-Saʿāda fī maqāmāt al-ʿibāda
تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
[7.41-42]
{ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش } حال او استيناف لبيان حالهم، والغواشى جمع الغاشى بمعنى المغمى، او جمع الغاشية بمعنى الغطاء او الاغماء، وفى لفظ مهاد وغواش بمعنى الاستار تهكم بهم { وكذلك نجزي الظالمين والذين آمنوا وعملوا الصالحات } قد مضى مثله، وان المراد بالايمان ان كان الاسلام الحاصل بالبيعة النبوية وقبول الدعوة الظاهرة فالمراد بعمل الصالحات الايمان الخاص الحاصل بالبيعة الولوية وقبول الدعوة الباطنة ودخول الايمان فى القلب وتوابعه من الاعمال القلبية المستتبعة للاعمال القالبية، وان كان المراد به الايمان الخاص فالمراد بعمل الصالحات مستتبعات هذا الايمان، ولما جاء بالصالحات معرفة بلام الاستغراق واوهم الاتيان بجميع الصالحات وليس فى وسع افراد البشر الاتيان بجميع الصالحات استدركه بقوله { لا نكلف نفسا إلا وسعها } معترضا بين المبتدء وخبره { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } تكرار المبتدء باسم الاشارة اولا وبالضمير ثانيا لتأكيد الحكم واحضار المبتدء بوصفه المذكور وتفخيما لشأنهم بالاشارة البعيدة وتثبيتا لهم فى الاذهان بالتكرار.
[7.43]
{ ونزعنا } فى الدنيا او فى الجنة { ما في صدورهم من غل } الغل بالكسر الحقد وتشبيه الغل بالثوب واستعمال النزع فيه استعارة تخييلية وترشيح للاستعارة، والمقصود انه تعالى يطهر صدور المؤمنين من موجبات الغل من الكدورات الدنيوية والصفات الرذيلة النفسانية حتى تصفو صدورهم من الحقد والحسد، خصوصا بالنسبة الى اخوانهم المؤمنين وكذا من العجب والرياء والشك والشرك الخفى فلا يبقى فى صدروهم الا الود الخالص والصدق التام { تجري من تحتهم الأنهار } الجملة حالية او مستأنفة جواب لسؤال مقدر او خبر بعد خبر { و } بعد ما صارت صدورهم مصفاة مما يؤذيهم ومقامهم مأمنا عما لا يلائمهم ومجالسوهم فارغين مما يسوؤهم { قالوا } تبجحا وشكرا { الحمد لله الذي هدانا لهذا } المقام او هذا الفضل والمراد بالهداية الايصال الى المطلوب او الى طريق المطلوب مع تهية اسباب سلوكه { وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جآءت رسل ربنا بالحق } قالوا ذلك لانهم كانوا مؤمنين بالغيب غير مشاهدين فلما شاهدوا ما آمنوا به فرحوا بما شاهدوا او اظهروه لغاية السرور { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } يعنى ما كنتم تعملون سبب من طرف القابل لا انه سبب فاعلى. اعلم، ان الانسان بانسانيته له قوة الوصول الى الجنان وبفطرته له النسبة الى العقل الكلى ومظهره الذى هو النبى (ص) والولى (ع) وبتلك النسبة يصح نسبة الابوة والبنوة بينهما تكوينا ويصح نسبة الاخوة بين كل الاناسى تكوينا، فاذا اتصل هذه النسبة بالنسبة التكليفية بالبيعة العامة النبوية او الخاصة الولوية تقوى تلك النسبة وظهرت بحيث يصير الولد والدا والوالد ولدا، وبتلك النسبة وقدر ظهورها يرث الولد من والده بعضا من ملكه او جميع ممالكه واذا لم يتصل النسبة التكوينية بالنسبة التكليفية لا بالبيعة ولا حال الاحتضار انقطعت لا محالة، واذا انقطعت نسبته عن الوالد الذى هو العقل الكلى ومظهره لم يرث منه شيئا وورثه ما كان ينبغى ان يرثه هو اخوه المناسب له فى بعض الجهات فصح ان يقال اورثتموها من الله او من العقل او من مظهر العقل، وصح ان يقال اورثتموها من اهل الجحيم كما يصح ان يقال: اهل الجحيم اورثوا منازل اهل الجنة من الجحيم وقد مضى تحقيق الايراث وكيفيته.
[7.44]
{ ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار } اظهارا للنعمة تبجحا وتقريعا لاصحاب النار { أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن } من الله { بينهم } والمؤذن هو صاحب مرتبة الجمع وهو الذى على الاعراف ولذا فسر بأمير المؤمنين (ع) وقال: انا ذلك المؤذن { أن لعنة الله على الظالمين } ولما كان الظلم الحقيقى هو ستر وجهة القلب التى هى الولاية التكوينية، ثم الاباء عن الولاية التكليفية التى بها يفتح باب القلب ويوضح طريقه الى الله، وبهذين الظلمين ينسد طريق القوى المستعدة للاتصال الى صاحب الولاية وهى باتصالها بصاحب الولاية تصير من عترة الرسول تكوينا، فسد طريقها ظلم عليها وظلم على العترة بوجه وظلم على صاحب الولاية بوجه، ثم جحود الولاية ثم الاستهزاء بصاحب الولاية ثم سد طريق العباد عن الولاية وذلك ايضا ظلم على عترة محمد (ص) بالوجوه السابقة، فسر الظلم فى الكتاب بالظلم على آل محمد (ص) ووصف الظالمين بقوله { الذين يصدون }.
[7.45]
{ الذين يصدون } اى يعرضون او يمنعون { عن سبيل الله } تفسيرا للظلم { ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون } فان سبيل الله هو وجهة القلب تكوينا وولاية الامام الذى هو المتحقق بتلك الوجهة تكليفا، والكفر بالآخرة هو الكفر بالولاية التكوينية والتكليفية او مسبب عنه.
[7.46]
{ وبينهما } اى الفريقين او الجنة والنار { حجاب } والمراد بالحجاب البرزخ الاخروى الذى هو واسطة بين الملكوتين ولا بد لاهل كل من العبور عليه، كما ان المراد بالسور فى قوله فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب هو هذا البرزخ، وتحقيق كون الدنيا برزخا والبرزخ الاخروى واسطة بين الملكوتين وكون الملكوت السفلى ظلا ظلمانيا للدنيا والملكوت العليا عكسا نورانيا لها، وبعد الخلاص من عالم الطبع لا بد من عبور كل على البرزخ الاخروى الذى هو بوجه جهنم، كم ان عالم الطبع ايضا بوجه جهنم، والبرزخ الاخروى هو الحجاب الذى ظاهره يلى الملكوت السفلى من قبله عذاب الملكوت السفلى وباطنه الذى يلى الملكوت العليا فيه الرحمة التى هى نعم الجنان الصورية ثم نعم الجنان المجردة عن الصورة والتقدر قد مضى اجمالا وسيجيء فى سورة الحديد { وعلى الأعراف } اى اعراف الحجاب جمع العرف وهو ما ارتفع من الارض ومنه عرف الديك وعرف الفرس والمعنى على اعالى الحجاب { رجال } مخصوصون وهم الذين ادركوا البقاء بعد الفناء ووصلوا الى مقام الجمع وردوا من الحضور الى الخلق لتكميلهم وهم الانبياء (ع) والاولياء (ع)، فانهم بعد ردهم يقفون بملكوتهم على البرزخ لكن على جهاته التى فيها الرحمة وهى اعاليه حتى يمكنهم الاحاطة والاتصال بالملك والملكوتين، لانهم بشأنهم الجبروتى اجل شأنا من ان يراقبوا الكثرة لان العالى لا التفات له الى الدانى بالذات وبشأنهم الملكى لاسعة لهم ولا احاطة حتى يتيسر لهم المراقبة واعطاء كل ذى حق حقه، بل بشأنهم الملكوتى الذى يتنزلون به عن الملكوت العليا الى اعالى البرزخ فيراقبون اهل الملك والملكوت العليا والسفلى ويعطون كلا حقه، ولما كان النبوات والولايات الجزئية اظلالا من الولاية الكلية وكان المتحقق بالولاية الكلية عليا واولاده الطاهرين، صح تفسير الرجال بهم وحصرهم فيهم ولما كان البرزخ مرتبة من مراتبهم وشأنا من شؤنهم قال على (ع): نحن الاعراف ولما كان جهة البرزخ العليا جهة يعرف بها كل من عليها غيره من اهل الملك والملكوتين وكانت سبيل معرفة الله لغير من عليها صح قولهم (ع): نحن على الاعراف، نعرف انصارنا بسيماهم، ونحن الاعراف الذين لا يعرف الله عز وجل الا بسبيل معرفتنا، ونحن الاعراف يوقفنا الله عز وجل يوم القيامة على الصراط فلا يدخل الجنة الا من عرفنا وعرفناه، ولا يدخل النار الا من انكرنا وانكرناه، ولما كان المراد بالاعراف اعالى البرزخ صح تفسير اصحاب الاعراف بالذين هم اصحاب البرزخ من الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم، فانهم اصحاب البرزخ وكون صحابتهم للاعراف غير كون صحابة الذين على الاعراف فانهم مالكون للاعراف بوجه ومتحققون بها بوجه، بخلاف الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم فانهم (ع) واقفون فى البرزخ وتحت الاعراف للحساب { يعرفون كلا } من اهل الجنة والنار { بسيماهم } بالعلامة التى هى على ظواهرهم من سرائرهم، فالضمير راجع الى كلا لا الى الرجال { ونادوا } الضمير راجع الى اصحاب الاعراف من شيعة على (ع) الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم كأنهم ذكروا بالالتزام ذكر الاعراف { أصحاب الجنة } الذين تجاوزوا البرزخ وصحبوا الجنة { أن سلام عليكم } تحية لهم ورجاء للوصول اليهم { لم يدخلوها وهم يطمعون } الدخول.
Unknown page