325

Tafsīr Bayān al-Saʿāda fī maqāmāt al-ʿibāda

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

[7.36]

{ والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنهآ } بترك امتثالها والاتعاظ بها والاتصال بها باحدى البيعتين { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } وقد اختلف القرينتان فى لفظ الموصول ودخول الفاء وعدمه والنفى وعدمه وتكرار المبتدأ باسم الاشارة وعدمه، والوجه فى ذلك الاشارة الى اتحاد نفوس المتقين والاختلاف والفرقة فى المكذبين والاشارة الى لزوم الخبر للصلة فى الاولى دون الثانية لعدم تخلف وعده تعالى دون وعيده، ولو جعل من شرطية كان ابلغ فى ذلك المعنى وذلك أتى فى الاولى بمن المشتركة بين الشرط والموصول واحضار المبتدأ بوصفه المذكور له تفظيعا لحال المكذبين وتحذيرا عن مثل حالهم مع قصد حصر صحابة النار فيهم بخلاف الاولى، فانه لم يقصد فيها حصر لما سبق من جواز تخلف الوعيد ودخول المكذبين الجنان ورفع الخوف والحزن عنهم، ووجه الاختلاف بنفى ضد المستحق فى الاولى واثبات المستحق فى الثانية كون المقام مقام الوعيد والانذار، فان ذكر المحرمات توعيد لمرتكبيها لا وعد لتاركيها لان الفضل لمن امتثل الامر لا لمن ترك المنهى ولذا لم يكتف بقوله فمن اتقى واضاف اليه اصلح فى جانب الوعد، وكذا الاخبار بانقضاء الامد وفناء البسطة واتيان الرسل بعد تلك الانذارات توعيد للمكذبين، ولكون المقام للانذار بسط فى جانب الوعيد دون الوعد والمناسب لمقام الوعيد نفى الخوف والحزن عن غير المستحق واثبات العقوبات للمتسحق.

[7.37]

{ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } اتى بفاء التفريع والاستفهام الانكارى اشارة الى استنباطه مما سبق وتأكيدا لا ظلمية المفترى، فان مفهومه وان كان لنفى اظلمية الغير من المفترى لكن المقصود اثبات اظلمية المفضل عليه والمراد بالمفترى ائمة الجور ورؤساء الضلالة الذين لم يكونوا اهلا للرياسة ويدعون الخلافة وهم اشد ظلما ممن كذب بآياته فقط، والقائل على الله ما لا يعلم أخف ظلما منهما فانه لا ينافى تصديق الآيات كما سبق { أو كذب بآياته } لانه قد سبق انه المستحق لصحابة النار والمراد بالمكذب بالآيات تابع ائمة الجور والمقصود من الآيات اعظمها وغايتها التى هى الولاية ومن المفترين والمكذبين منافقوا الامة الذين قبلوا الدعوة الظاهرة وبايعوا محمدا (ص) بيعة اسلامية بقرينة قوله: { أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب } لان المراد بالكتاب الكتاب المعهود المفسر بكتاب النبوة، ولما كان لقبول الدعوة الظاهرة والاحكام القالبية الاسلامية شرافة واثر فمن قبل وعمل ولم يكن له نصيب من الآخرة يناله اثر ذلك العمل والحظ الموعود فى الدنيا حتى يخرج من الدنيا وليس له حق على الله، من كان يريد ثواب الدنيا باسلامه وقبول احكامه يؤته منها وماله فى الآخرة نصيب { حتى إذا جآءتهم رسلنا يتوفونهم } بقبض ارواحهم حال من الفاعل او المفعول او كليهما او مستأنف جواب لسؤال مقدر، او هى جواب اذا وقوله و { قالوا } حال او مستأنف، او عطف على جاءتهم او يتوفونهم يعنى قال الرسل تقريعا لهم { أين ما كنتم تدعون من دون الله } بالاعراض عن خلفائه ومظاهره الولوية ودعوة غيرهم من مظاهر قهره واعوان اعدائه ممن ادعى الخلافة فى مقابل اوصيائه انبيائه (ع) { قالوا ضلوا عنا } قالوا ذلك لانهم كانوا اصحاب الخيال والكثرات ودعوتهم لائمة الجور كانت من جهة الحدود والتعينات وحين المحاسبة وظهور الوحدة لا يبقى حد وتعين ويرون انهم كانوا ساترين فى تلك الدعوة جهة الوحدة والولاية { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } لوجهة القلب والولاية.

[7.38]

{ قال } الله { ادخلوا } بعد عودهم عن الوحدة الى مقر الكثرة حال كونكم { في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس } الذين كانوا من سنخكم داعين لمن لم يؤذنوا فى دعوتهم { في النار } ظرف الدخول، ويحتمل ان يكون فى امم ظرف الدخول وفى النار بدلا منه بدل الاشتمال، او حالا من سابقه { كلما دخلت أمة لعنت أختها } اما المتألفون والمتحابون منهم فلظهور ان مجالسة بعضهم ومؤانسته ومحادثته منعتهم من الايمان بخلفاء الله واتباع اوليائه، واما الاجانب وغير المعروفين فلاستحقاقهم اللعن مثلهم وهذا بعينه ديدن اهل الدنيا فانهم وقت الدعة والراحة احباء، ووقت الشدة والبلاء اعداء، ويلعن بعضهم بعضا خصوصا النسوان ومن كان على طباعهن من الرجال، والجملة اما حال من فاعل ادخلوا او من امم او من فاعل خلت او الجن والانس او من النار والكل بتقدير العائد او معترضة ذما للامم { حتى إذا اداركوا فيها جميعا } يعنى لحق التابعون للمتبوعين فى الدرك الاسفل { قالت أخراهم } التابعون اللاحقون { لأولاهم } المتبوعين يعنى فى حقهم { ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار } لضلالهم واضلالهم { قال لكل ضعف } باعتبار قوتى العلامة والعمالة او باعتبار تجسم العمل فى النفس واستتباعه لمثله فى الجحيم او باعتبار الضلالة واهمال التميز، او باعتبار صفحتى كل من العلامة والعمالة { ولكن لا تعلمون } ان لكل ضعفا لخفائه وخفاء سببه عليكم.

[7.39]

{ وقالت أولاهم لأخراهم } مخاطبين لهم { فما كان لكم علينا من فضل } لاستحقاقكم الضعف جاؤا بالفاء تفريعا لقولهم على قول الله لاثبات قولهم { فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون } اما من قول الله تقريعا وتهكما، او من قول الرؤساء.

[7.40]

{ إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها } قد مضى تفصيل فى مثلها { لا تفتح لهم أبواب السمآء } سماء الارواح لان بابها القلب وفتحه بالولاية التكليفية وقد كذبوا بها { ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط } تعليق على ما لا يكون، او المراد ان انانياتهم مانعة من دخول الجنة فلا يدخلونها ما دام جمل انانياتهم باقية فاذا ذاب انانياتهم دخلوها { وكذلك نجزي المجرمين } اما من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر ابداء لوصف آخر لهم مشعر بالذم واظهارا لاستحقاق العقاب من جهة اخرى، او المراد بالمجرمين غير المكذبين وهكذا الحال فى قوله نجزى الظالمين.

Unknown page