Tafsīr Bayān al-Saʿāda fī maqāmāt al-ʿibāda
تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
{ فوسوس لهما الشيطان } فعل الوسوسة وهى الصوت الخفى فى الاصل ثم غلب على ما يلقى الشيطان فى النفوس من الخواطر الخفية السيئة او المؤدية الى السوء، وان كان المراد ظاهر ما ورد فى الاخبار من انه اختفى بين لحيتى الحية وأظهر النصح لهما بلسان ظاهرى وسمعاه بالسمع الظاهر، فالمقصود انه اظهر النصح لهما بصوت خفى اظهارا لهما انه محض الترحم والشفقة لهما مبالغة فى الغرور، فان الرحمة والشفقة تقتضيان اخفاء الصوت لا الاجهار به، والاتيان باللام للاشارة الى انه نصح نافع لهما { ليبدي لهما } اللام للعاقبة او للغاية على انه كان عالما بان قرب الشجر مورث لان يبدى لهما { ما ووري عنهما من سوءاتهما } وقد ورد ان المراد كان بالسوأة هو العورة وكانت قبل ذلك مختفية غير ظاهرة على انفسهما ولا على غيرهما ولكن اذا اريد بالشجرة شجرة النفس فانها مجمع تمام الرذائل والخصائل، وبه يجمع بين ما ورد فى تفسيرها مع اختلافها وتضادها كما سبق، وبآدم الروح المنفوخة فى جسده التى هى طليعة العقل، وبحواء جهتها السفلى التى خلقت من جانبها الايسر، كان المراد بوسوسة الشيطان الخطرات التى تقرب الانسان الى المشتهيات النفسانية وبسؤاتهما الرذائل المكمونة والاهواء الفاسدة والآراء الكاسدة التى تظهر بعد الاختلاط بالنفس ومشتهياتها، والمراد من ورق الجنة ما اقتضاه العقل من الحياء والتقوى فانهما من اوراق الجنة، وبهما وبسائر صفات العقل يستر المساوى ولا يتجاهر الانسان بها الا ان يهلك العقل ويخرج من الجنة وحكومة العقل، ونداء الرب عبارة عن نداء العقل فى وجود الانسان بالتوبيخ على ما يصدر عنه مما فيه نقصه { وقال ما نهاكما ربكما } عطف على وسوس وتفصيل لها { عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين } كأنهما استشعرا ان ليس فى جبلتهما ما فى الملك ولا ما يقتضى الخلود واستشعرا ما فى الملكية والخلود من الكمال بالنسبة الى المخلوق المركب من طباع العناصر، فاشتاقا الى الوصفين فقال لهما: ان الاكل من الشجرة مورث للوصفين وان الله كره لكما الوصفين ولذلك نهاكما عن الاكل.
[7.21-22]
{ وقاسمهمآ } كأنهما لم يعتمدا على قوله وطلبا منه البينة والقسم وعهدا قبول قوله ولذا أتى بلفظ قاسم { إني لكما لمن الناصحين فدلاهما } اى اهبطهما مع تعلق منهما بمقامها العلوى { بغرور } بمعنى المصدر او بمعنى ما يغر به من القسم الكذب وغيره { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } قد مضى البيان { وناداهما ربهمآ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكمآ إن الشيطآن لكما عدو مبين } تقريع وتوبيخ لهما على ارتكاب النهى والاغترار بقول العدو حتى يتنبها على نقصهما ويستدركاه بالتوبة ولذلك ابتدرا بالاعتراف والاستغفار.
[7.23-24]
{ قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا.. } قد سبق الآية فى سورة البقرة.
[7.25]
{ قال فيها } فى ارض العالم الكبير والصغير { تحيون } بالحيوة الحيوانية او بالحيوة الانسانية { وفيها تموتون } بالموتين { ومنها تخرجون } فان السعادة والشقاوة تحصلان فى الدنيا وفى غلاف الطبع وليس خروج الانسان وانتقاله الى الجنان او النيران، الا من جهة المادة والقوة التى هى ارضية الدنيا والطبع لا من جهة الصورة وفعليتها التى هى سماويتها بوجه.
[7.26]
{ يابني آدم } خطاب منه تعالى لبنى آدم (ع) اعتناء بهم وتعدادا لنعمهم { قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا } يعنى خلقنا لكم ما يستر بشرتكم ويقيكم من الحر والبرد وما يستر عوراتكم البشرية عن الانظار، وما تتجملون به من الملبوس الفاخر فان الريش هو ما يتجمل به، وريش الطائر جماله والوصفان قد يجتمعان فى واحد، ويطلق الريش على متاع البيت وعلى ما يعيش الانسان به وعلى سعته ومكنته ونزولهما بحسب نزول اسباب مادتهما من الامطار والآثار من تأثيرات الكواكب وحركات الافلاك، ونزول اسباب تحصيل صورتهما من التميز وقوة التدبير، واذا اريد باللباس ما يستر العورات المعنوية من الافعال الحميدة والصفات الجميلة ويؤيده قوله { ولباس التقوى ذلك خير } فنزوله واضح، واضافة اللباس الى التقوى من قبل اضافة العام الى الخاص، او اضافة المسبب الى السبب، او اضافة المشبه به الى المشبه، فان التقوى وان كان مفهومها راجعا الى العدم لكن لها حقيقة وجودية بها يحصل التنزه عن الرذائل من الافعال والاوصاف وبالتنزه تحصل الخصائل التى بها تستر العورات المعنوية والنقائص النفسانية ويحصل التجملات الانسانية، وفى الخبر: واما لباس التقوى فالعفاف ان العفيف لا يبدو له عورة وان كان عاريا من الثوب، والفاجر بادى العورة وان كان كاسيا من الثياب، وتخلل اسم الاشارة بين المبتدء والخبر للاهتمام بذلك اللباس وتصوير الامر المعنوى متمثلا حاضرا وقرئ لباس التقوى بالنصب عطفا على لباسا { ذلك من آيات الله } اى انزال اللباس مع شدة حاجتكم اليه، او كون لباس التقوى خيرا بحيث لا يخفى عليكم او لباس التقوى، فان ذلك كله من آيات علمه وحكمته وقدرته { لعلهم يذكرون } صرف الخطاب عنهم بطريق الالتفات وهو غاية لانزال اللباس او لجعل ذلك من آياته.
[7.27]
Unknown page