200

Tafsīr al-Qurʾān al-Karīm

تفسير القرآن الكريم

Regions
Egypt
حجية العمل بالسنة
قال ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٣].
قبل أن نستطرد في شرح هذه الآية، هل في هذه الآية دليل على حجية السنة من القرآن؟ قد نسمع بعض الضالين المنحرفين يقولون: لا حجة إلا في القرآن، ونحن لا نعترف بالسنة! فإذا أردت أن تفحمهم، وتقيم عليهم دليلًا من القرآن نفسه، لو كانوا قرآنيين فعلًا ويحترمون القرآن لالتزموا بهذا الدليل من القرآن، هل هذه الآية تثبت حجية الرسول ﵊؟ قوله تعالى: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها) جعلنا، النون تعود على الله ﷾، وهذا يدل على أن القبلة الأولى هل كانت بشرع الله أم بشرع الرسول ﵊؟ الرسول إذا شرع فإنما يشرع بإذن الله، لكنها ثبتت بمعنى آخر عن الله ﷾، فالذي أمر باستقبال البيت هو الله، ومن الذي أمر باستقبال بيت المقدس في أول الأمر؟ هل يوجد في القرآن دليل أو أمر يقول للمسلمين: استقبلوا بيت المقدس في الصلاة؟ أين هذا الدليل؟ الدليل على أن المسلمين كان عليهم أن يستقبلوا بيت المقدس في الصلاة لا نجده في القرآن الكريم، وإنما نجده فقط في سنة النبي ﵊، ومع ذلك فإن الله ﷾ في القرآن الكريم يقول: (وما جعلنا) فمن الذي جعل؟ هو الله، جعله في السنة؛ لأن السنة وحي مثل القرآن، فهذا من أوضح الأدلة الموجودة في القرآن -وما أكثرها- على حجية سنة النبي ﷺ.
قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا) يعني كما هديناكم إلى قبلة هي أوسط القبل وأفضلها جعلناكم أمة وسطًا، يعني عدولًا خيارًا، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] خيارًا عدولًا، كقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم:٢٨] يعني: أعدلهم وأفضلهم، ويقول زهير: هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا) تعليل للجعل المنوه به الذي تمت المنة به عليهم، أي: ما جعلناكم أمة وسطًا إلا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدًا.

11 / 17