201

Tafsīr al-Qurʾān al-Karīm

تفسير القرآن الكريم

Regions
Egypt
شهادة الرسل على أقوامهم
يتكرر في القرآن الكريم وصف الأمة بالشهادة، ووصف الرسول ﷺ أيضًا بالشهادة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥]، فالشهود والشهادة هي الحضور مع المشاهدة، إما بالبصر وإما بالبصيرة، وقد يقال للحضور كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام:٧٣]، فكلمة الشهادة أولى بالحضور وإن كانت تقال على الحضور أو المشاهدة بالبصر أو بالبصيرة، لكن الأصل فيها والأغلب أنها تكون في الحضور بالبصر، ويقال للمرأة التي يحضرها زوجها: مشهد، ولذلك سألت عائشة ﵂ المرأة يومًا، قالت لها: أمشهد أم مغيب؟ يعني: زوجك حاضر أم مسافر.
وجمع مشهد مشاهد، ومنه مشاهد الحج، لماذا؟ لأنها تحضرها الملائكة ويحضرها الأبرار من الناس، قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨] يعني: يحضروا، وقال تعالى: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾ [النور:٢] يحضرون ويرون بالبصر، وقال تعالى حاكيًا عن قوم صالح: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ [النمل:٤٩] ما حضرنا، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢] أي: لا يحضرون بنفوسهم ولا يسمعون بإرادتهم مجالس الزور، ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] أي: تحضره ملائكة الليل وملائكة النهار.
فالشهادة قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر، هذا هو تعريف الشهادة، فأنت حينما تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، تعني: أنك بعدما تدبرت ورأيت الآيات واستحضرت معناها شهدت بهذه الآيات على وجود الله ﷾ وتوحيده، فالشهادة قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر، وليس عن تقليد، وقال تعالى: (أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف:١٩] أي: أحضروا وشاهدوا خلق الملائكة؟ ثم قال تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ [الزخرف:١٩].
ومن ذلك أيضًا قوله ﵎: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] أي: على هؤلاء المشركين شهيدًا، وقال ﵎: (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [الزمر:٦٩ - ٧٠]، قيل: الشهداء وصف للأنبياء أنفسهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] فشهيد كل أمة هو رسولها، ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٩].
وقال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [النحل:٨٩]، ويقول تعالى هنا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] (وسطًا) أي: خيارًا عدولًا، ويدل بأن الوسط هم الخيار العدول: قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] وهذا المعنى معروف في لغة العرب، ومنه قول زهير: هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم وقوله تعالى: (ويكون الرسول عليكم شهيدًا)، لم يبين هل هو شهيد عليهم في الدنيا أو في الآخرة؟ ولكنه بين في موضع آخر أنه يكون شهيدًا عليهم في الآخرة، وذلك في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤١ - ٤٢].

11 / 18