352

Ṭabaqāt al-mashāyikh biʾl-Maghrib

طبقات المشايخ بالمغرب

مجادلة بالباطل تؤدي إلى انقراض أهل الدعوة من حامة قابس فمن ذلك ما حكى أبي -رحمه الله- وقد سأله بعض الجلساء ما سبب انقراض المذهب من الحامة؟ قال: إن الحامة لم تزل في أدبار منذ عهد أبي القاسم وأبى خزر رحمهما الله وما طرأ على كل واحد منهما وعلى من بعدهما، حتى إذا كان في زمان الشيخ عثمان بن خليفة فورد الحامة، وليس فيها من أهل المذهب إلا أطلال بالية، ومساجد عامرة كالخالية، وكان أبو عمرو عابر سبيل فأراد أن يذاكر من هناك من أهل المذهب بما يثبتهم في الدين، ويمسكهم في عقائدهم على يقين، وكان المخالفون من أهل الموضع قد سكنت نفوسهم، واطمأنت قلوبهم بانقراض مذهبنا من بلدهم وضعف من بقي من أهله، فلما سمعوا بقدوم أبي عمرو بما شرع فيه عضوا عليه الأنامل من الغيظ، واجتمعوا فيما بينهم، وأرادوا ما يفضح أبا عمرو إذا ناظروه، فتشاوروا في ذلك فجعل كل منهم يدلي برأيه فقال فريق منهم اعلموا أن الرجل عالم ذو قدرة على المناظرة ولا طاقة لكم به إن حاولتم أخذه في الطريق المهيع، لكن إن سلكتم معه بنات الطريق وجادلتموه بالباطل أوقعتموه في آذان العوام، وإن طلتم فإنكم تظفرون به، فقالوا: وكيف يمكن الظفر به من طريق الباطل؟ قالوا: يسأله أحدكم هل يجوز في مذهبكم تزوج نسائنا؟ فإنه حينئذ يقول الحق ويجيب بأن يستعظم هذا، ويقول: يا سبحان الله قد جاز عندنا تزوج اليهوديات والنصرانيات فكيف نساؤكم؟ فإذا قال هذا ألزمناه الذنب بأن نقول نراك أنزلتنا منزلة اليهود والنصارى، فنكفره ونفحمه، وإن هو أجاب بنعم فقد استأنفنا سؤالا ثانيا، فلما كان غدا أجلبوا عليهم بخيلهم ورجلهم، وحضروه هو وتلامذته فسأله سائلهم بما أعد من مسألة النكاح، فأجاب بما كان خصمه ينتظره منه، فلما قال ذلك قال مدرة القوم: ألا إن هذا أنزلكم منزلة اليهود والنصارى فقاموا عليه قيام رجل واحد شتما وصفعا وضربا، وطردا عن نفوسهم من البلد وأكرهوا كثيرا ممن بقي من أهل المذهب على الرجوع إلى مذهبهم، وعمدوا إلى المسجد الكبير من مساجد الوهبية، وغسلوه بمياه كثيرة، حتى جرت أنهارا وسالت في الطرقات، وخرجت من البلد هامية يعتقدون أن ذلك تطهيرا للمسجد، قال: ودعوا عليهم فأجاب الله دعاءهم ولكن بعد حين، فلما دخلها إسحاق الميرقي قتل فيها سبعمئة رجل حتى سالت واختلطت عجاجا شبهه، من رآه بالوادي الذي أجروه ليطهروا به المسجد فيما زعموا، قال: فلم يبق إلا مستضعف لم يكن على بصيرة، أوهارب بدينه إلى حيث أمكنه من البلاد.

وقال عثمان خرجت من وارجلان أريد ناحية بلادنا فخرج معي أيوب ابن إسماعيل وموسى بن علي يودعاني فقال لي أيوب "يا عثمان العلم والوطوطة لا يجتمعان" وقال له موسى الحجر المتقلب لا يثبت على بناء، فرأيت ما أشار به هو الصواب.

الحكم في العطايا

وقال أبو الربيع قال لي الشيخ أبو عمرو عثمان: العطايا أربع: اثنتان جائزتان؛ عطية لما عند الله وعطية لثواب الدنيا، واثنتان غير جائزتين عطية إكراه وخوف، وعطية على وجه الركون.

الطبقة الثانية عشر 550ه 600ه : 1-أبو عمار عبد الكافي

منهم أبو عمار عبد الكافي -رضي الله عنه- هو ابن أبي يعقوب التناوتي، تدارك المذهب قد أقبر فأنشره نشورا، ونوه به وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، فأحيى الله به رفاته، وجمع ببركته شتاته خدم العلم دهرا حتى وعاه، وأوعى منه الأوعية، ثم أخذ يفتيه ويعلمه، فسالت منه الأودية، في تصنيف كتاب، أو تهذيب جواب، أو تدرب متكلم، أو إفادة متعلم وهو الذي أزرى بموجزه(1) على الماضين، وأتعب الحاضرين والآتين، فإنه رتب مقدماته أرتب تقديم، وقوم فصوله أحسن تقويم، وقسم الفرق أبين تقسيم، بألفاظ عذبة وقصد مستقيم، وله تصانيف يشفى بريها هيام النفوس الهيم، وأما الورع والسخاء فهما أقل صفات خلاله، فذكرهما الشيخ بالنسبة إلى حلاله.

Page 258