353

Ṭabaqāt al-mashāyikh biʾl-Maghrib

طبقات المشايخ بالمغرب

ما كان من الشيخ أبي عمار وهو بتونس ذكر شيوخنا أن أبا عمار لما عزم على طلب العلوم رأى أن أهم ما يقدمه إصلاح اللسان ثم إصلاح الجنان بعلوم القوانين والبراهين، فهاجر إلى تونس فأقام فيها أعواما يدرس الليل والنهار ولا يحضر بباله ذكر الأهل والدار، والذي توخاه في قصده تونس شيئين أحدهما ملاقاة من يشغل خاطره عن ذكر أهله، والثاني أراد أن ينقطع عن اللسان البربري بالبعد عمن يخاطبه به، والتدرب على لسان العربية، بكثرة مخالطة به، وكان أبو عمار موسعا عليه فكانت تأتيه من بلده في كل عام ألف دينار، وبطاقة فيضع البطاقة في موضع، ويقسم الدنانير نصفين فيدفع النصف إلى شيخه ويصرف النصف في نفقته وكسوته، وشراء ما يحتاجه من الكتب، فلما كان عند عزمه على السفر وقد رأى أنه قضى حاجته من طلب العلوم التي اعتمدها هنالك أعلم شيخه بذلك، وأجمع على الارتحال فأخذ في قراءة الكتب الواردة من بلده كتابا بعد كتاب فوجد في الكتاب الأول إعلاما بوفاة أحد أبويه وفي الثاني وفاة الثاني، ووجد شواغل لا علم له بها، فأطلع على ذلك شيخه وأصحابه فعزوه وانفصل إلى بلده، ولقد حدثني بعض الطلبة النفطين الذين قرأوا بتونس عن بعض أشياخه أنهم قالوا: أدركنا أشياخنا يذكرون طالبا من أهل وارجلان قرأ معهم على شيخهم إذ ذاك، قالوا: أدركناهم يتعجبون من فهمه وحفظه ومواظبته وورعه، وسخائه ودلاله نفسه وسعة خلقه، قالوا: ولم ير مثله من العرب ولا من البربر، قال لي: وكانوا يذكرون أنهم اطلعوا على كتاب معه في علوم مذهبه، وكان نظما في قصائد فما هذا الكتاب؟ فقلت له: هو دعائم ابن النظر كانت منه في بلادنا من قبل هذا نسخة غير محلوله، ولما حله ابن وصاف(2) لم يرد بلادنا حتى ورد به الشيخ أبو موسى عيسى بن زكرياء وأعلمته أن الطالب المذكور هو أبو عمار، وأطلعته على كتاب الدعائم لما ذكره وسأل عنه، فلما رآه جعل يتعجب منه فنظر منه بعض قصائد العقائد وهي الرائية التي في الرد على القدرية، فقال معرضا ما أرى هاهنا إلا موافقة أهل السنة، فقلت له: وما خالف هذا الكتاب فهو خلاف السنة.

وكان أبو عمار ذا كرامات فمن كراماته ماحدثنا به في وارجلان شيخ من أهل الصدق والبر حكاه عن ثقات، قال: خرج أبو عمار في سنة من السنين في فصل الربيع إلى بادية بني مصعب بغنمه فتوغلوا في البرية، تتبعا لطلب المرعى، حتى قربوا من جبال "بني راشد" فلما كان يوما من الأيام قال أبو عمار لأهله اشتغلوا بعشاء عمار الليلة المقبلة، وكان هذا القول منه غدوة، وكانوا قد عهدوا عمار بوارجلان، إلا أنهم لم يمكنهم إلا امتثال أمر الشيخ، فوافق وقت إعلامه إياهم توجه عمار من وارجلان إلى قصور بني مصعب، فلما أصبح صباح يومئذ، قال لمضيفه: انظر لي دليلا استأجره أن يصحبني إلى موضع الشيخ، بشرط أن يكون على نجيب مثل نجيبي، ليكون مبيتي عند الشيخ فإني شديد الاشتياق إليه، فقال له: ليس لها إلا "فلان" فأرسلوا إليه فوجدوه ينضح زرعا له بالطبق، فقال: أخشى على زرعي ولا بد من موافقة ابن الشيخ، قال: فاستأجره بدينار فركب كل واحد منهما نجيبه، وصارا يرجفان ويجدان السير بجهدهما، قال: وكان نجيب المصعبي أسبق من نجيب عمار، وكان إذا تقدم قال له: مالك يا هذا الوارجلاني؟ هلكت زرعي عطشا يعني أجهد ليكون رجوعي إلى زرعي سريعا، فقال وكان بين الموضع الذي فيه الشيخ وبين القصر الذي خرجا منه مسيرة ثلاثة أيام، فما صلى الشيخ إلا عمار وصاحبه قد أناخوا عندهم، وأكلوا العشاء معهم.

وذكر عيسى بن أحمد أن أبا عبدالرحمن الكرثي كتب إلى جماعة الشيوخ بوارجلان كتابا يسئلهم سؤال مسترشد قال: فلما ورد عليهم كتابه لم يروا نفوسهم أهلا لمجاوبته إلا أبا عمار، فجاوبه عن جميعها حسبما يفسر.

أسئلة الشيخ أبي عبدالرحمن الكرثي والإجابة عنها

( سؤال) ما اليقين والقدر وما الفرق بينهما؟

Page 260