342

Ṭabaqāt al-mashāyikh biʾl-Maghrib

طبقات المشايخ بالمغرب

سفر الشيخ إلى القلعة بحثا عن تفسير الإمام عبد الرحمن وذكروا أن سبب سفر أبي محمد إلى القعلة، فكان مما عرفه به مدوار أن قال له: تركت كتابا في تفسير القرآن من تآليف الإمام عبد الرحمن ينادى عليه بالبيع في سوق القلعة، فسافر وليس له هم ولا أرب غير الكتاب المذكور، واستبضع شيئا من الشب يظهر أنه تاجر، وغرضه أن نستتر به فيما اعتمده، وكان وصوله إليها في فصل الخريف فلما وصلها جعل يسأل عن الكتاب في خفاء برفق وسياسة، فبينما هو يسأل ذات يوم لقي رجلا نكاريا يدعى علم مسائل الفروع، فسأله عن الكتاب المذكور فقال له: متأسفا على فواته، قد بيع قبل قدومك، قال أبو محمد: وكان في القلعة حينئذ رجل من أهلها يعرف "بمحمد بن عصمة"، متفقه مدرس عليه حلقة فكنت أحضر مجلسه وأعد من جملة أهل حلقته، فحضرنا عنده ذات يوم فقال لابن له: سمعت بأن أغناما لبني ينجاسن دخلت السوق، وما ضرنا أن نجتنب الشراء من السوق ثلاثة أيام فإن من العلماء من يقول: إذا دخل السوق ريبة فدع الشراء ثلاثة أيام ثم لا حرج بعدها في شراء، قال أبو محمد: فأعجبني ما قاله، فجلسنا يوما عنده حتى تذاكروا الفقهاء وذكروا أبا حنيفة فقلت: أليس قد قال مالك: أبو حنيفة شيطان قذفه اليم، أبو حنيفة أضل لهذه الأمة من شيطان رجيم؟ وذلك لوجهين أحدهما كونه يقول بالإرجاء، والآخر لنقضه السنن بالرأي فلما قلت لهم ذلك وقعت عليهم وجمة وعلتهم كآبة، ودهشوا فقام إلى رجل منهم وفي لسانة ثقل فقال: ما حملك على ما قلت؟ فقلت له: إني لم أقل من عندي شيئا إنما هو قول قاله مالك، فقال لي: حسبك بالعلماء بينهم كالضرائر، قال أبو محمد: فاشتريت كتبا ووجهتها في رفقة فأصيبت ثم استأنفت النظر في شراء كتب أخرى فبلغ أصحابي أن كتبي التي وجهت قد أصيبت فقالوا لي: ألا تكلم السلطان في حقك لتكون من قبله معونة في الذي تحاوله من تحصيل الكتب فإنه شغل ليس بحقير؟ قلت لهم: لا، بل إن كانت لي حاجة في شيء رجعت إليكم، ثم استعنت بكم، قال ثم اشتريت كتبا أخرى فلقيني الرجل النكاري فسلم علي فرددت عليه السلام، فلما انصرف قالوا لي: مالك تسلم على مثل هذا؟ فقلت مالكم تسلمون على اليهود وهم مشركون ولا أسلم أنا على رجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فأفحمتهم، ولم يجدوا جوابا، ورآني رجل منهم في موقف الشب وهو مكان معروف بأهل وارجلان، فقال لي وارجلاني والله! فقلت له: أيحل لك أن تخاطب بهذا رجلا مسلما؟ فقال له أهل سوق ذلك الموضع: بئس ما قلت! وكان ذلك في مدة قتل فيها أهل وارجلان جماعة من الأشعرية وسمعت رجلا منهم يقول: قال لهم فليخرجوا أو يظهروا أو نقتلهم، فلما رأيت ذلك أسرعت في قضاء حوائجي ثم إن السلطان أخرج عسكرا فخرجت معه، فلما حضرت الصلاة قال لي قائد العسكر: ماذا تصلي يا عبدالله، وقد علمت الذي خرجنا إليه؟ فقلت له اشتغل بنفسك يا إنسان، وسرنا حتى وصلت "وغلانة" سالما، وسمع شيوخ "وغلانة" بما أصابني في الكتب فاجتمعوا وأجمع رأيهم على أن ينظروا في إعانتي بقدر ما أصيب مني ليخلفوه علي - فالله يحسن عونهم، ويخلف عليهم - فلما أحسست بالذي عزموا عليه أردت الخروج في خفية، فخرجت بالهاجرة فلم يشعروا بي إلا وأنا خارج البلد، فوصلت "تنوال" سالما والحمد لله رب العالمين.

فهذا الذي كان منه في مواطن كثيرة من هذه الحكاية من تقية وستر حسن جميل لا كما زعمه الحاسدون ونسبوه إليه، فانه وإياهم كما قال ابن أبي ربيعة شعرا:

وذلك أنهم زعموا أنه بدل وغير، وطول وقصر، وحاشا فضيلته من ذلك.

Page 247