340

Ṭabaqāt al-mashāyikh biʾl-Maghrib

طبقات المشايخ بالمغرب

وكان والدي -رحمه الله- متألما ذات يوم لعلة كانت تعتاده فحاولت ما أسلى به نفسه، واريح به ألمه فناولت تعليقة فيها شعر الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي -رحمه الله- فصادفت القصيدة البائية فجعلت أسرد أبياتها بحيث يسمع فأصغي إلي سمعه وسلا ما كان به، فقال: أعلم أن هذه القصيدة قالها أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم يرثى بها شيخه أبا سليمان أيوب إبن إسماعيل، ثم قال: وأن فيه الدلالة على صحة خبر كنت سمعته في صغري من أبى -رحمه الله- فقلت وما هو قال: كان أبي في زمان شبيبته مهاجرا بوارجلان يقرأ على شيخه أبي سليمان أيوب بن إسماعيل حتى قضى حاجته من الطلب فانفصل فجاء إلى قسطيلية فأقام بموضعه بكنومة ما شاء الله، فبلغه موت عم له كان مهاجرا بوارجلان قاطنا بها بتماواط وليس له وارث سواه، قال أبى فسافرت إلى وارجلان سفرة ثانية طالب ورث لا طالب علم، فلما وصلتها سألت عن شيخنا أبي سليمان لأزوره، فأخبرت بان الله قد ابتلاه في جسده ببعض ما ابتلى به أولياءه فعم جسده الجذام، ولازمه اشد لزام ولازم المضجع لا حركة له، فجئت عجلان ولهان، فلما دخلت عليه نظر إلي وعرفني فتقدمت إليه لاسلم عليه، فخاطبني خطاب محذر أن أعافه واتقذره، فقال إليك إليك يا سليمان يا ولدى، فليس في حالي ما تدنو منه، فقلت: حاشا لله أن أتقذرك يا شيخنا، وسقطت منكبا عليه أعانقه واقبله وأبكي حتى شفيت بعض هيامي، قال سعيد: ما علمت أن أبي حكاها قط إلا بكى وأبكى، ولا علمت إني حكيتها قط إلا بكيت وأبكيت، قال سليمان: وأقمت مدة إقامتي بها لا افتر عن الدخول عليه حتى اقتضيت ما كان لي من حق، فلما أردت السفر قافلا وودعت الشيخ وزودني بالدعاء وعموم البركة فانفصلت وقد بشرني بأن سيخلصني الله من شدة عظيمة فلما صرنا من وارجلان واريغ وكنا في رفقة كبيرة فيها أموال جليلة ومعي مال صالح، مما خف وثقل فاغرات علينا خيل كثيرة، وقد نسيا أحمد من أي العرب هي، قال: فبادرت ودفنت كل ما معي فعلمته بحربة كنت دفنت عودها وتركت السن بارزا ليكن لي علامة، وكانت الحربة صقلية واستباح الأعراب جميع ما في الرفقة من قليل وكثير وجليل وحقير، واسروا الرجال، فلطف الله تعالى به وعجل فرجه قال فآمنوني ولم يعرضني أحد منهم بمكروه، وصحبتهم كأني أخ لهم، فلما كان من الغد جددوا لي الأمان في نفسي ومالي فاستأجرت أحدهم وصحبني إلى الموضع الذي دفنت فيه ما كان معي فرأيت سنان الحربة من بعيد، فمشيت إليه واستخرجت كل ما دفنت فحملته وحلمت الأجير والمتاع، وجئنا حتى وصلنا، والعجب للحربة إذ لم يرها أحد من العرب بالأمس، وهي ظاهرة تلمع، وقدمت إلى أهلي سالما من جميع الآفاق، وما ذلك إلا بفضل الله وبركة الشيخ -رحمه الله- .

والقصيدة هي هذه:

------------------------------------------------

1- الألهوب اسم من الهب الفرس اجتهد في الجري والعدو

2- تلاحكت الحوادث تداخلت والتصق بعضها ببعض ومثله تلابك الأمر أو الشي اختلط وتلبس

3- أبو زكرياء يحيى

ومنهم أبو زكرياء يحيى بن أبي زكرياء -رحمه الله- كثير الغضب في الله وعلى دينه شديد الغيرة مستشعر خشية الله عز وجل، لا يخشى غيره، وقف عندما حده المشائخ، واعتقد أن طريقهم لجميع الطرق ناسخ فهو على بصيرة في دين راسخ، قرأ العلوم أتقنها ووضع المشكلات وبينها، ورتب السير وأحكمها، وتعلم العلوم وعلمها.

Page 244