267

Ṭabaqāt al-mashāyikh biʾl-Maghrib

طبقات المشايخ بالمغرب

خير الجني الذي قيل أنه كلم الناس ثم جلست أتلو القرآن حتى غلبتني سنة، فما أيقظني إلا صوت قاريء يقرأ بازائي، أسمع صوته ولا أرى شخصه،ثم سمعت صرير ثياب لها تحرك وهي جديدة، فارتعت ارتياعا شديدا، فقال في الصائت: لا تخف فإني جني ممن لا يخشى أذاه فسألته عن كثر من الأنباء فأعلمني بما سألته عنه من الأشياء البعيدة عنا، ثم سألني عن السبب الباعث لي على السفر إلى ناحية طرابلس، فذكرت له خبر المرأة وبعلها وما كلفني به الشيخ أبو عبدالله من إصلاح حالها، ثم وضع سؤالا فسألني به، فقال: كيف ولايتنا لكم، وولايتكم لنا؟ فقلت: الجواب من عندك، قال: نعم أما ولايتكم لنا فبالجملة، وأما ولايتنا لكم فبالأشخاص، فسمعت العجوز تجاوبنا، فجعلت تسبح وتكثر التعجب ثم شكوت إليه ما استقبلته من الحركة وأتوقعه من خوف الطريق، فقال: اقرأ هذه الآية: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ) (البقرة:من 136 إلى 137) فكررها علي حتى حفظتها، ولم تقنعه قراءتي معه حتى قال لي: اقرأ وحدك، فقرأت، فقال: الآن قد تحققت أنك قد حفظت، ثم قال: إن لنا موعدا بالجزيرة اليوم، لا يمكنني المغيب عنه، فلا تغب عن هذا المكان حتى أعود إليك إن شاء الله، فإنا لنتحدث إذ طلعت الشمس فقال لي: هذا وقت الختمة، فخذ بنا في الدعاء فقلت له: الدعاء من عندك، فقال: بل الدعاء منك لأنكم أفضل، فدعوت، ثم دعا، ثم قال: زيدي من الدعاء يا عجوز، فدعت وأكثرت التسبيح، ثم مضى الجني وانتشر الخبر في القرية أن الجني تكلم وحار الناس وتنحيت عن الناس بحذاء القرية في خربة، ثم نمت فيها، فلما استيقظت أقبلت أنظر ميعاد صاحبي، وجئت إلى العجوز فأعلمتني أن الجني أقبل، وسأل عنك، فلم يجدك فناولني حصيات، وقال ادفعها إليه إذا جاء، وقد انصرف وترك الحصيات برسمك، فهاكها، فأخذت الحصيات فوجدت عليها خطا رقيقا، لا أكاد أبينه، فعزمت على التوجه إلى ناحية بلادنا، فسلكت على نفزاوة، ثم على تقيوس، ثم قال وقد اشتريت كساء طاقيا"1" من نفزاوة، فلما صرنا في السبخة التي بين نفزاوة وبين تقويس من طريق بشرى وتوسطنا السبخة واجهتنا خيل لا نستطيع الهروب منها فقصدناها وقصدتنا وأنا في ذلك أردد الآية التي علمنيها الجنى، فلما وصلناهم حفوا بنا والكساء الطاقى على عاتقي، فردد في أميرهم نظره وصعد فينا بصره وصوبه وقد غشينى زبد فرسه، فقال لنا من أنتم ؟ فقلنا: عزابة تلامذة، فقال: امضوا على طريقكم راشدين، قال: وقد كنت أتوقع أن يقول ضع الكساء فسلمني الله، وذلك بفضل الله ثم ببركة الشيخ أبي عبدالله فإني ما تحركت إلا مساعدة له وموافقة لمراده، قال: فكانت معي تلك الحصيات فوصلت بها إلى تادمكت لم أزل أتعرف ببركتها فلم أرزأ قليلا ولا كثيرا مذ ظفرت بها.

Page 169