264

Ṭabaqāt al-mashāyikh biʾl-Maghrib

طبقات المشايخ بالمغرب

تحرج الشيخ وشدة ورعه ومما يحكى من الأخبار التي لم ينسج أحد على منواله ما ذكر أنه جلب من إبله أبعرة إلى وارجلان للبيع، فاشترى وارجلاني منها بعيرا، فلما أراد أن ينقده الثمن قال له: إن ثمن جملك في تادمكت، وكان له جمل أراد المسير عليه، فقال له رجل من أهل وارجلان: أتحمل لي على جملك هذا حمل متاع إلى تادمكت فتبيعه لي هناك؟ فقال: بكم أبيع حمله، فقال: بكذا وكذا، وكان بعدد سماه له، فلما وصل تادمكت وسوق تلك الوديعة، نقص من العدد الذي سمى شيء يسير، قيل قدر ثلاثة أرباع قيراط، فقال لا يمكن البيع بدون ما سمى لي فرجع بالحمل إلى وراجلان قالوا: فلم ير حمل رجع من تادمكت إلى وارجلان غيره، ولا سمعنا به، وهذا في التحرج شيء بعيد.

قوة إيمانه ويقينه

وكان لأبي صالح ولدان أحدهما يسمى صالحا وبه يكنى، والآخر يسمى سليمان وكان إذا أراد أن يسأل عن ولديه يقول: ما فعل ابني صالح؟ وأما سليمان فقد رضى عنه المسلمون، وكان يقول: إذا نظرت إلى ولدي سليمان، وإلى عمران بن زيرى وسدري بن سليمان احترقت نفسي، وعلمت أني محتاج إلى التوبة والإنابة، واستئناف العمل، وكان هؤلاء النفر الثلاثة يقول بعضهم لبعض: سيروا بنا إلى زيارة الأخيار، ودعونا من هذا الشيخ - يعنون أبا صالح- فإنه لو سكن بين أظهر المشركين ما تبدل، ولا تغير، ومما يحكى أيضا من إطراحه الاستعمال أنه كان ربما قصد مع أبي عبدالله محمد بن بكر -رحمه الله- حتى تذاكر معه في الصغيرة والكبيرة، حتى كان مما ذكره أبو صالح أن قال له: يا محمد يا ولدي ما عسى أدركت منى وشعر رأسي كالثغامة ، ولحيتي كالصفار وجسدي هزيل، ولو علمت ما علي من القوة والشجاعة والعبادة، لو رأيتني حينئذ لرأيت شيئا عجيبا تعجب أن تراه، أفتراه -رحمه الله- يريد بذلك تفاخرا وسمعة؟ حاشاه، ثم حاشاه، إنما ذلك دليل على صفاء باطنه وكونه لا يحذر شيئا يحذره أهل الدنيا - رحمه الله-.

Page 165