Ṭabaqāt al-mashāyikh biʾl-Maghrib
طبقات المشايخ بالمغرب
الدعاء الصالح من خير المكاسب فدار بينهما من الكلام المفيد أنواع، فكان آخر ما دار بينهما أن قال أحدهما للآخر: أخبرني ما أعظم شيء ينال به خير الدنيا، وسعة الأرزاق فيها أبالتجارة أم بالزراعة أم بالصناعة؟ فلم يجبه طلبا لأخذ الفائدة وليكون الجواب من عند السائل فقال: إن أفضل ما ينال به ذلك دعاء الصالحين، لا سيما إذا أغثت ملهوفا أو سددت فاقة مضطر، وذكر أنه استسلف حينئذ من تلك النواحي عشرة دنانير صرفها فيما لابد له منه، فلما قدم على أهله وأحضر الدنانير المذكورة وأراد تبليغها منه ولم ير ما يخلصه منها إلا أن يؤديها بنفسه، فلما ارتحل عن أهله اجتاز بقوم يعملون المعروف ويتطوعون به لسد خلة أو نفقة على أنفسهم، فكل رجل منهم يتنفل بما عنده، ويتطوع بما قدر عليه، فارتاح أبو صالح واهتز ورآها فرصة تنتهز، لكن تردد ما بين الفرصتين أداء الاتباعة لمستحقها أو اصطناع المعروف في محله ثم أنه رأى تقديم ما يخاف فواته على ما ليس بفائت واستخار الله عز وجل، وتطوع له بدينار من العشرة دنانير، ودفعه لهم عازما على استئناف اغترامه لصاحب السلف، فلم ير بذلك باسا لأن ذمته كانت عامرة بالكل، وتبقى عامرة بالبعض، فبعد دفعه الدينار تمادى في طريقه حتى وصل إلى صاحب السلف، فدفع له الصرة فعدها فوجد فيها عشرة دنانير، والشيخ لا يعرف أكثر من تسعة، فقال له: أعد عدها، فأعاد، فوجد عشرة فعلم أن ذلك من عند الله.
Page 164