236

Ṭabaqāt al-mashāyikh biʾl-Maghrib

طبقات المشايخ بالمغرب

يشح على نفسه وعياله فيطعمه الشيخ قسرا وذكر أن أبا محمد جمالا كان جواره رجل من أهل البادية في سنة مجاعة، وللرجل صرمة، وقد أضربه الجوع، وشحه المطاع مانعه أن ينحر منها ناقة، فيطفئ سغب نفسه وعياله فبلغ ذلك أبا محمد فجاءه فوجده في خيمة لا حركة له من ألم الجوع، فقام أبو محمد احتسابا في الرجل وفي يده حربة، فدخل في إبله فعمد إلى ناقة كوماء لم ير في إبل الرجل أحسن منها، ولا أسمن منها، يريد أن ينحرها، فرآه صاحب الإبل، فقال: لعل غيرها يا أبا محمد؟ فأبى إلا تلك التي قصد إليها، فنحرها بحربته، فلما نحرها قال لهم: قوموا، وكلوا، فلما أصبح أغارت عليهم غارة، فاكتسحت إبل الرجل، فلولا أن الله عز وجل لطف بهم ببركة الشيخ لماتوا جوعا، قيل تبلغوا بشحم الناقة ولحمها، وسدوا فاقتهم تلك السنة الشديدة.

على العالم أن ينظر للجاهل ما يصلح به

وذكر أن عاملا خرج على عشيرة أبي محمد من قبل السلطان فكان هذا العامل يماكسهم، ويشدد عليهم فلما كان يوما من الأيام قال لهم العامل: إن أعطيتموني اليوم كذا وكذا مضيت عنكم، وإن بت الليلة ضاعفت عليكم وكلما بت ضاعفت قيل فلم يدفعوا له شيئا ولم يعبأوا بقوله، فكان يضاعف عليهم فلما رأى أبو محمد العامل يضاعف عليهم الغرامة كل ليلة، ورأى قومه غير مكترثين به حماقة، وخرقا لا قدرة وعزا، قال للعامل وخدامه: قفوا على ترع الأحياء ولا تتركوا مالهم يسرح، فلما رأى أصحاب الأموال ماشيتهم يأكل بعضها بعضا جوعا، أدوا إلى العامل ما لزمهم، وانصرف فجعل جهالهم يطعنون في الشيخ، ويعيبون فعله، حتى قال قائلهم: ما هذا إلا معونة الظلمة الفجار على الضعفاء والمساكين، فقال لهم أبو محمد: لله على العالم أن ينظر للجاهل ويدله على ما فيه سلامة دينه ودنياه.

Page 137