Ṭabaqāt al-mashāyikh biʾl-Maghrib
طبقات المشايخ بالمغرب
أبو معروف يفقد بصره قيل ولما أصيب أبو معروف ببصره وجه كتابا إلى الشيخ عبد الحميد الفزانى، وكان عالما كبيرا من أهل الدعوة، وكان قاطنا ببلد السودان يستمد منه دواء العين، فلما ورد عليه كتابه قال: عجبا لهذا الشيخ أعطاه الله دواء لداء الذنوب وهو يسأل ما يزيله عنه. فبلغ قوله أبا معروف فقال: أترى الفزاني يهزأ بي ويعدني صبيا يرضع إبهامه؟
فعبد الحميد إنما يعني أجر المصيبة والسلامة مما يكتسب بالعين من الآثام، وأبو معروف يرى أنه حرم بفقد البصر أنواعا من الخير كالاعتبار، والتعجب بصنع الله عز وجل، ومطالعة كتب العلم، والمشي إلى بيوت مجالس الذكر، وكلاهما ذهب مذهبا حسنا ورأى رأيا مصيبا. قلت أما كونهم اعتقدوا أن الذي أصابه عقوبة على فتياه مع علمهم أنه لم يخرج عن أقوال العلماء غير أنه مال إلى الأسهل وترك الأحوط فإنهم عدلوا إلى ما قاله قبل المشائخ في أمثالهم، وحفظ من أقوالهم، حسنات الأبرار سيئات المقربين، فكونه تكلم بالعلم حسنة بالنسبة إلى من لا يلتفت للعلم، وكونه ترك الأحوط سيئة بالنسبة إلى أحوال من اعتاد محاسبة نفسه، وإلا فحاشهم أن يعدوا كلام العلماء سيئة على الإطلاق.
وذكر غير واحد من أصحابنا أن أبا معروف كان تاجرا حينا من الدهر جالسا في دكان دأبه أيما وزن لأحد من الناس زاده من نفسه خروبة، وإذا أراد أن يأخذ لنفسه من أحد نقص خروبة، فلما حضرته الوفاة أوصى بعشرين دينارا احتياطا من تباعة الميزان، وذكر أن أم أبي معروف مرضت فدخل عليها لتوصي فاستفتت شهود الوصية في وصيتها، أي الوجوه أولى أن يصرف فيه أكثرها؟ فقالوا: كفارات الأيمان، قيل: فأوصت بثلاثمائة كفارة، فأنفذ أبو معروف جميعها.
Page 120