152

وذكر جده وقد أخذه معه الى منبره ، فهو يقبل على الناس مرة ، وعليه مرة ، ويقول : « ان ابني هذا سيد ولعل الله ان يصلح به بين فئتين من المسلمين (1)».

وكانت مناظر وجدان مؤثرة في الحسن ، وذكريات تاريخ ملذوذة في النفس بدلت من وحشة اللحظة ، وخففت من عرامة الخطب ، وكانت كل ذكرى تثير ذكريات ، وكل منظر يمر يوقظ مناظر أخريات.

وانه ليطمئن الى قول جده صلى الله عليه واله ، كما يطمئن الى محكم التنزيل. وها هو ذا جده العظيم يقول له ، وكان صوته الشريف يرن بعذوبته المحببة في اذنه ، ويقول لامه الطاهرة البتول ، ويقول على منبره ، ويقول بين أصحابه ، ويقول ما لا يحصى كثرة : « ان ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين ».

ويرجع الحسن الى نفسه فيقول :

ترى ، هل أراد رسول الله (ص) ان اصالح اليوم أهل الشام؟.

وهل أهل الشام البغاة ، فئة مسلمة يصح أن يعنيها هذا الحديث؟.

وهل هذه هي الفتنة التي أرادني رسول الله (ص) لاصلاحها؟. أو قد فدنا الكفاية لقمعها من طريق القوة؟.

كل ذلك كان يراود الحسن ، فيثير في نفسه تفاعلا عنيفا ، ينذر بانقلاب تاريخ ، وكل هذه الاسئلة كانت تنتظر الجواب من الحسن استعدادا للمصير الاخير.

وبعثت هذه الذكريات بما فيها التوجيه النبوي الذي استشعر منه الحسن حماية جده له في أحرج ساعاته ، فكرة الانقاذ للموقف ، فيما لو اتيح لهذه الاسئلة أجوبتها المطابقة لمقتضى الحال.

نعم ان رسول الله (ص) قال ذلك يقينا دون شك.

Page 172