Sīrat Abī Ṭayr
سيرة أبي طير
فلما بلغ كتاب الإمام عليه السلام أبرق الرصاص وأرعد وأتى بألوان الأحاديث وأوهم من أصغى إليه أنا لا نؤمن من أن يقصد بالعسكر على حين غفلة، وخوف ناسا لم يرجعوا إلى عقولهم فخافوا، وكان الأمير الكبير شرف الدين الحسين بن محمد بن الهادي في حوث في ذلك الأوان فأوهموا أنه مطلوب معهم، فنفر الرصاص، وأحمد بن حنش وإبراهيم بن فليح، وأحمد بن علي الضميمي، وحنظلة بن أسعد بن حارث واستدرجوا الأمير الكبير الحسين بن محمد، ونفر معهم جماعة إلى بطنة عذر فلما تبين للأمير شرف الدين [138أ-أ]الحسين بن محمد أنها خدعة رجع وصد القوم على صورة المرهق حتى بلغوا حصن الظفر المسمى بسخطا وقد كان لهم أكاليم وخدائع مدسوسة ودروس وأمور مكتوبة وقواعد لمكرهم مأسوسة، وكان صدور القوم إلى الظفر لأيام خلت من رمضان سنة خمس وخمسين وستمائة وكان الرصاص يظهر لأصحابه الذين معه أمرا ويسر غيره، ولما بلغ إلى أمير المؤمنين غضبهم، ونفورهم لغير سبب جرى ولا التباس طرأ بل أساءوا، واستوحشوا من فعلهم لم ير إلا أنه يسترضيهم، ويتعمد لهم خوفا من ثائرة الفتنة، وإبقاء لعظيم المحنة، ومحاذرة أن يكون ذلك سببا لانشقاق العصى، فكاتبهم المكاتبة اللطيفة وكاتب غيرهم من المسلمين، وأمرهم بالتقدم إليهم، وكلما وصل إليهم كتاب أو أرسل إليهم رسولا أبهموا عليه الجواب، وأخرجوه من باب إلى باب، وأظهروا تارة أنا لم نغضب لأمر راجع إلى نفوسنا، وإنما رأينا أشياء توجب النكير فإن غيرها الإمام وفعل فنحن راضون، وإلى ما كنا عليه راجعون، ورسلهم تترى إلى الحسن بن وهاس سرا، وإلى كل رئيس من الشرف، والعرب ممن يطمعون في خديعته يأتونه من حيث يهوى، وجعل الرصاص يرقي الناس في خداعه إلى مراتب منهم من يطلعه على رفض إمامة المهدي عليه السلام وأن الحسن بن وهاس قد صار أولى منه بالأمر وسيفعل لك ويصنع، ومنهم من يقصر به على ذلك، ويقول إن بدلت الولاة، وعدلت في الرعايا رضينا بذلك، ومنهم من يقول له إنما غضبنا في نفوسنا، والإمام من حاله من شأنه، وأصحابه لا علم لأكثر منهم بغور ما عنده، ثم إن الإمام عول على الأمير الحسن بن وهاس في التقدم إليه، وعقد له أنه يرضيهم فيما طلبوه من تبديل الولاة الذين طعنوا في ولايتهم وكتب خطه وأشهد على ذلك، وتقدم الحسن بن وهاس إلى مسلت فالتقى هنالك ببعض من يقول بقولهم ويرى برأيهم فأسروا وخادعوا ودسو إلى قوم أحاديث، وقد كان الإمام أمر أخاه إبراهيم بالقدوم إليهم مع الأمير الحسن بن وهاس فغلب عليه الجهل والخطأ فلم يفعل فجعل ذلك الحسن بن وهاس علة في تأخره عن القدوم، وغرضه في شيء أخر، ثم كرر الإمام الرسل إليهم فأمر الشيخ الطاهر عبد الله بن يحيى إلى الظفر فلم يلتفتوا عليه طائلا، فأمر الأمير الكبير أحمد بن محمد بن حاتم إليهم فأبهموا عليه الجواب، وبلغني أنهم استخلفوه على كتم ما يلقون إليه ثم ألقوا إليه سرا في بعض مرادهم فلما رجع إلى الإمام أعلمه بذلك، وحذره على الجملة من القوم، وأنهم في غير ما هو يريد. والله أعلم.
(قصة وصول الأمير الكبير شرف الدين الحسين بن محمد بن الهادي إلى الحق عليه السلام)
لما تبين له أن الرصاص وأصحابه إنما غضبوا لغير الله كاتب في الوصول إلى الإمام فأذن له فوصل إليه إلى حصن مدع فاستقبله الإمام بأحسن قبول وأكرمه، وعظم شأنه، وراجع الإمام في مسائل قد كان اعترضه الشك فيها فأجابه أمير المؤمنين[138ب-أ] بأحسن جواب فتاب إلى الله واعتذر إلى الإمام وأقام عند الإمام على أحسن حالة وأتم كرامة.
Page 422