251

فلنتكلم الآن في الكلي الموجب من الشرطي المتصل فنقول: قولنا كلما كان ج ب، ف ه ز، ليس معنى قولنا: كلما، فيه معنى تعميم المراد فقط، حتى يكون كأنه يقول: كل مرة يكون فيه ح ب، ف ه ز؛ بل فيه تعميم كل حال يقترن بقولنا: كل ج ب، حتى لا يكون حال من الأحوال أو شرط من الشروط يقترن به، فيجعل ذلك الشط ج ب موجودا، إلا و ه ز موجود. فإنه يجوز أن لا يكون المقدم أمرا له تكرر وعود؛ بل هو أمر ثابت موجود لا مراد له. فإنه قد يمكن أن يقترن به شروط تخصه، كما ستعلم عن قريب. وقد بقي علينا أن ننظر في هذه الشروط ونتأملها، فنقول: هل يصح أن نقول: كلما كان الإنسان ناطقا، فالحمار ناهق، ونعني به المطابقة في الوجود والموافقة لا اللزوم؟ كما كان يصح أن نقول بهذا المعنى من الاتصال : إن كان الإنسان ناطقا، فالحمار ناهق؟ فنقول: أما هذا، فهو حق. فإن معناه إن كان حقا، فذلك التالي أيضا حق. فهنا يكفي في التالي أن يكن حقا. فلذلك يكون صدق هذه القضية ظاهرا. وأما إذا قلنا: كلما كان الإنسان ناطقا، فالحمار ناهق؛ فعسى يقع لأحد من الناس أنه لا يكفي في صدق هذه القضية أن كون قولنا: كل حمار ناهق، صادقا فقط؛ بل يجب أن يكون صادقا دائم الصدق من وجهين: أحد الوجهين أن يصدق على كل ما يوصف بأنه حمار أنه ناهق، والثاني من جهة اعتبار السور أيضا. فإن كل حمار إذا كان ناهقا لم يمنع ذلك أن يكون وقت من الأوقات لا حمار فيه. ففي تلك المرة، والحال والشرط، يمكن أن يظن أن قولنا: كلما كان كل إنسان حيوانا، كان كل حمار ناهقا، كابا. لأن في تلك الكرة لا حما ناهق. لكن هذا ظن باطل. وذلك لأن قولنا: كل حمار ناهق، قد يصدق وإن عدم الحمير. فإنا، كما علمت، لا نريد بقولنا: كل حمار ناهق، كل حمار موجود حاصل. فإن عنينا هذا، فليس بينا أنه كلما كان كل إنسان ناطقا، صدقا، صدق معه كل حمار موجود في ذلك الوقت فهو ناهق. وليس أيضا على سبيل اللزوم، كان بين اللزوم أو لم يكن بين اللزوم، بل يكون مما يبين بنظر. ثم لسائل أن يسأل، هل يوجب الاعتبار ملازمة الكذب، حتى يكون حقا أنه كلما كان كل حمار ناطقا فكل إنسان ناهق، مثل أنه إن كان هذا المقدم الكاذب صدقا، فالكذب الآخر يكون صدقا معه. فإن قوما حسبوا أن هذا لازم. فنقول: ليس الأمر على ما حسبوا. وليس هذا لازما بحسب الأمر في نفسه، ولا أيضا بحسب إلزام من يعترف به. وذلك لأن هذا الاتباع إما أن يكون على سبيل اللزوم، حتى يكون هذا الكذب يلزم ذلك الكذب؛ أو يكون على سبيل الموافقة. فنقول:ة أما على سبيل اللزوم فلا الصدق يلزم عن الصدق المذكور، ولا الكذب عن ذلك الكذب . فإنه ليس يجب عن كون الإنسان ناطقا أن يكون الحمار ناهقا، ولا أن لا يكون ناهقا؛ بل وجد ذلك صدقا بنفسه. وليس أيضا على سبيل الموافقة، حتى إذا فرض هذا صدقا، يكون قد وجد ذلك صدقا معه؛ فإن ذلك ليس صدقا البتة حتى يوافق صدقا آخر على سبيل اللزوم. فإذا كان لا هو صادق، فيجب أن يصدق معه ولا هو لازم إياه، فليس هو إذن بتابع له لعى وجه البتة. نعم لو كان لازما عن وضعنا أن كل إنسان ناطق، أن كل حمار ناهق؛ لكان يلزم وضعنا ليس كل حمار ناهقا، قولنا: وليس كل إنسان ناطقا. فأم إذ ليس الأول ملازما، بل هو أمر في نفسه صادق، إذ كان إنما يعتبر حال التالي في نفسه لا حال لزومه عن شيء آخر فيتغير بتغيره. فإن قال قائل إنه لما كان قولن: كل إنسان ناطق، لا يوجد حقا البتة، إلا ويوجد حقا أن الحوار ناهق، فيكف يمكن أن يفرض أن الحمار ليس ناهقا، ثم يوجد حقا أن كل إنسان ناطق، وقد قلنا: إن مع وجوده، يوجد أن كل حمار ناهق، فيكون مع أنه ليس كل حمار ناهقا، وجد كل حمار ناهقا، فهذا إنتاج خلف من مقدمتين شرطيتين. هكذا قد يكون إذا كان ليس حمار ناهقا، فكلا إنسان ناطقا، وكلما كان كل إنسان ناطقا فكل حمار ناهق. فإذن قد يكون إذا كان ليس كل حمار ناهقا، فكل حمار ناهق، هذا خلف. وإحدى الشرطيتين صادقة والأخرى كاذبة. فليس البتة إذا لم يكن وكل حمار ناهقا، فكل إنسان ناطق. والجواب أن هذه النتيجة ليست خلفا. ويبين ذلك بعد أن تعلم أن قولك: قد يكون، ليس على سبيل أنه يوجد في الوجود؛ بل على أنه قد يكون من الفرض. فإن قولك: قد يكون، إذا كان ليس كل حمار ناهقا، قول لا نسبة له إلى الوجود البتة؛ بل إلى الفرض. وأما التالي فمأخوذ من موافقة الوجود، كما أخذت في كبرى القياس. فإذا عرفت هذا وجدت هذه النتيجة حقا. فإنك كلما فرضت هذا الكذب، وهو أنه ليس كل حمار ناهقا، كان في موفقة الوجود كل حمار ناهق، فلا تكون هذه النتيجة كاذبة. فإن قولنا: كل حمار ناهق،ة قول صادق في نفسه. فأي حال تفرضها وتفعلها كيف يكون هذا صادقا معه اتفاقا، ولا يكون لازما عن فرضك أنه ليس كل حمار ناهقا. وبالجملة لا تبطل موافقة هذا الوجود لهذا الفرض. فأما كون الأمرين جميعا في الوجود، حتى يكون في الوجود نفسه حقا أن ليس كل حمار ناهقا، وكل حمار ناهق، فهذا محال.

Page 288