250

إنه كما قد ظن أن المتصلات تصير متناقضة ومتقابلة بسبب أجزائها، كذلك قد ظن أنها قد تصير كلية وجزئية ومهملة وشخصية بسبب أجزائها. فقالوا: إنه كلما كما أن المقدمات الكلية في الحمليات هي التي موضوعاتها ومحمولاتها كلية، كذلك المقدمات الكلية في الشرطيات هي التي مقدماتها وتواليها كلية. فكان قولهم: إن كان كل ج ب، فكل ه ز، مقدمة شرطية كلية. ولو أنهم نظروا في نفس المثال الذي أورد نظرا أشفى من هذا لهداهم سبيل الصواب. وذلك لأن القضية الحملية لم تكن كلية لأجل كلية الموضوع والمحمول؛ بل لأجل كلية الحكم الذي هو هناك حمل، ونظيره ههنا اتصال وعناد. فكما كان يجب في الحمليات أن ينظر إلى الحكم، لا إلى الحدود التي بينها وبين الحكم؛ فكذلك في الشرطيات يجب إذن أن ينظر إلى الحكم لا إلى الأجزاء التي فيها وبينها الحكم. فإن كان الاتصال محكوما به على كل اشتراط ووضع للموضوع كيف كان، فالقضية الشرطية المتصلة كلية. وإن كان العناد كذلك، فالقضية المنفصلة كلية. وإن لم يحكم بذلك، فالقضية مهملة. إما إذا قيل: كلما كان كذا، فالقضية متصلة كلية. وإذا قيل: دائما إما أن يكون كذا، وإما أن يكون كذا، فالقضية منفصلة كلية. وأما إذا قيل: إن كان كذا، فكذا كذا؛ وإذا كان كذا، فكذا فكذا؛ فالقضية مهملة؛ إلا أنه يشبه أن تكون لفظة إن تدل على إهمال ما بنحو مخصوص. كأنا إذا قلنا: إن كان آ ب ف ه ز، فإنا نوجب من هذا أن يكون أي مرة من المرات كان آ ب، ومتى كان آ ب كان ه ز، كأن كون ه ز يتبع كون آ ب، من حيث هو كائن آ ب، ولا يتضمن شروطا أخرى يتضمنها قولنا: كلما، مما سنذكرها. وأما لفظة إذا، فتشبه أن لا يتضمن هذا المعنى؛ بل تقضي باتباع يوجد من ه ز، ولو عند أحد أوضاع آ ب .

هذا وقالوا أيضا: إن المقدمة الشخصية هي التي مقدماتها أو تاليها شخصي. وهذا بعيد عن الغرض الذي يجب أن ينحى في هذا الكتاب نحوه. وذلك لأن لفظة كلما، قد تدخل أمثال هذه القضايا، فيقال: كلما كان زيد يكتب، فزيد يحرك يده. ولا يكون هذا الشرط جزئيا؛ بل كليا. وكذلك إذا قيل: إما أن يكون زيد يتحرك، وإما أن يكون يسكن. فإن هذا العناد ليس قفي وضع مخصوص.؛ بل كلما كان زيد يتحرك. فإن هذا العناد يصدق بين هاتين المقدمتين. والذي ظن أن قولنا: كلما كان آ ب، ف ه ز، قضية حملية ؛ لأن قولنا: كلما كان هذا إنسانا، فهو حيوان؛ مساو لقولنا: كل إنسان حيوان؛ فقد أخطأ من وجوه.

أما أحدهما فإنه ليس مساويا له؛ لأن قولنا: كل إنسان حيوان، كلية موجبة ليس فيها شخص البتة. وقولنا الآخر يقتضي إشارة إلى زيد الشخص حيث قلنا هذا. وكان الأولى به أن يقول: إن نظيره من الحمليات، إن هذا الإنسان هو حيوان. لكن هذا القول لا دلالة فيه على الحصر الذي في " كلما " . فإن حفظ الحصر بطل إمكان وجه استعمال زيد. وإن استعمل يد بطل الحصر. فليس إذن هذا المتصل مساويا لهذا الحمل. ثم إن كان مساويا، فليس يجب أن لا يكون شرطيا. فإن القضايا المختلفة الأصناف قد تتلازم ويلزم بعضها بعضا، ويساوي بعضه في الدلالة من وجه، وهي مختلفة في الاعتبار. فإن اعتبار أن الحيوانية موجودة الإنسان، غير اعتبار أن حكمنا وقولنا: فهو حيوان، يصدق مع حكمنا وق ولنا: إنه إنسان. وليس هو هو، بل معنى أعم منه؛ إذ كثير مما يصدق كذلك لا يحمل. فإن التوالي في غير هذا المثال قد تصدق مع صدق المقدم، ولا يحمل منها على شيء من المقدم. ثم إن هذا التساوي موجود أيضا في الذي يسلم من أمره أنه متصل، مثل قولك: إن كان هذا إنسانا فهو حيوان. فلم كان هذا لا يصير حمليا وذلك يصير حمليا؟ وليس ههنا شيء يفوت بنقله حمليا ؛ كما كمان هناك الحصر يفوت.

Page 286