al-manṭiq
المنطق
واعلم أن ظاهر القول والمشهور هو أن المتصل كالموجب، والمنفصل كالسالب. فإنه لا سلب ولا إيجاب في الشرطيات. فنقول أولا: إنه ليس إذا لم يكن المتصل يقضي فيه بسلب مقدم أو تال، أو إيجابه، قضاء جزء ما، يجب أن لا يكون له في نفسه سلب أو إيجاب، كما أنه ليس يضفي فيه بصدق أحدهما ولا كذبه، وذلك ليس يوجب أن لا يكون له في نفسه صدق أو كذب، بل إنما كما أن الموجب الحملي يوجب الحمل، كذلك الموجب المتصل يوجب الاتصال، والموجب المنفصل يوجب الانفصال. فإذا قال قائل: إن كانت الشمس طالعة، فالنهار موجود؛ فإنه يوجب تلو التالي للمقدم وصدقه معه. فإذا لم يصدق هذا وأنكر هذا الاتصال، فقيل: ليس إذا كانت الشمس طالعة، فالنهار موجود، يكون قد سلب هذا الاتصال. وليس هذا السلب انفصالا كما ظنه بعضهم، وإن كان يلزمه انفصال، ولا أيضا سلبه ما ظن بعضهم، وهو أن يؤلف متصل تاليه سالب هذا التالي، كما يقال: إن كانت الشمس طالعة، فليس الليل بموجود. وذلك لأن هذه يبطل حين يجعل بدل إن لفظة كلما. فإنك إذا قلت: كلما طلعت الشمس كان غمام؛ فأنكر هذا، لم يجب من هذا أن يكون مناقضة. ومقابله هو كلما طلعت الشمس لم يكن غيم، بل ليس كلما طلعت الشمس كان غيم. فيكون المقدم بحاله والتالي بحاله. لكن قد سلب الاتصال الكلي. وكذلك في العناد ليس إذا قال قائل: إما أن يكون هذا الشيء ناطقا أو ضاحكا، وكذب، فقيل ه: ليس إما أن يكون ناطقا أو ضاحكا؛ كان كذلك متصلا أو منفصلا مناقضا بأحد جزئية الآخ. حتى يكون كأنه قال: إما أن يكون زيد ناطقا، وإما أن لا يكون ضاحكا؛ فإن هذا يبطل صدق المنفصل ف مادة أخرى. كمن يقول: إما أن يكون زيد مكاتبا وإما أن يكون فقيه. فيقال له: ليس إما أن يكون كاتبا، وإما أن يكون فقيها. ولا يكون معنى هذا هو أنه إما أن يكون كاتبا، وإما أن لا يكون فقيها. فربما كان فقيها غير كاتب، وربما كان كاتب غير فقيه، أو كان كاتبا وفقيها، أو كان لا كاتبا ولا فقيها. فهذه الأشياء تحقق لك أن الانفصال له سلب انفصال يجوز أن يلزمه اتصال أو أنفال موجب. وكذلك إيجاب الاتصال يقابله سلب اتصال يجوز أن يلزمه انفصال موجب. وإن قولنا: إن كانت الشمس طالعة فالليل ليس بموجود ليس هو سلب الاتصال؛ بل اتصال السالب وأنه بالجملة ليس إيجاب المتصل بسبب كون تاليه أو مقدمه موجبا، ولا سلبه لنظير ذلك؛ بل الإيجاب فيه إيجاب الاتصال، والسلب فيه سلب الاتصال. وأنه قد يكون إيجاب والتالي، بل الجزءان سالبان، كقولك: إن كان الإنسان كاتبا فليس هو بأمي؛ بل كقولك: إن لم يكن هذا حيوانا لم يكن إنسانا. وقد يكون سلب والجزءان جميعا موجبان، كما مثلناه لك. وكم أن الحملي لم يكن حال إيجابه وسلبه من جهة تحصيل أجزائه أو عدولها لا تحصيلها؛ بل بسبب الحمل. كذلك حال المتصل ليس إيجابه وسلبه من جهة أجزائه. فكذلك حال المنفصل أيضا في جميع ما قلناه. وكذلك ليس صدق المتصل من جهة صدق أجزائه، بل ربما كذبا معا، وإن كان الشرطي صادقا كقولك: إن كانت الخمسة زوجا، فالخمسة لها نصف.
وأما المنفصلات فأكثر أجزائها تكون كاذبة، وإنما يكون الحق فيها في واحد فقط. وهي مع ذلك صادقة من حيث هي منفصلة. لكن المتصل لا يجوز أن يكون مقدمه وتاليه كاذبا، ويجوز أن يكون مقدمه كاذبا وتاليه صادقا على النحو الذي قيل قبل، كقولنا: إن كان الإنسان حجرا، كان جسما. وقد يكونان كلاهما كاذبين، كقولنا: إن كان الإنسان حجرا، فالإنسان جماد. ولا جوز أن يكون متصل موجب كاذب صادق الأجزاء. ولكنه قد يكون صادقا صادق الأجزاء. وكذلك يكط ن صادقا كاذب الأجزاء كما مثلناه. وقد يكون صادقا حقا وأجزاؤه لا صادقة متعينة الصدق بنفسها، ولا كاذبة متعينه الكذب بنفسها، كقولك: إن كان عبد اله يكتب فيحرك يده. وأما المنفصلة ففيها جزء صادق، وربما كان أجزاءها كلها صادقة وهي كاذبة؛ كقولك: إم أن يكون الإنسان ناطقا، وإما أن يكون ضاحكا. وجماع ما يوقع الغلط في أمر المتصل والمنفصل سوق الوهم في القضية إلى أن الغرض فيها تال أو مقدم فتعتبر حاله، وقصور الفهم عن معرفة أن الاعتبار في الشرطيات هو النسبة التي بين أجزائها لا التي بين أجزاء أجزائها.
الفصل الرابع (د) فصل في شرح معاني الكلية والجزئية والمهملة والشخصية في الشرطيات
Page 285