248

وأما المتصل فلا يكون إلا ذا جزأين مقدم وتال، ولكن ربما كان المقدم قضايا كثيرة بالفعل أو بالقوة. ومع ذلك فقد تكون جملتها مع التالي قضية وحدة بالفعل، كقولنا:إن كان هذا الإنسان به حمى لازمة وسعال يابس وضيق نفس ووجع ناخس ونبض منشاري، فيد ذات الجنب. وأما إذا وقعت هذه الكثرة في جانب التالي لم تكن القضية واحدة؛ بل كثيرة بالفعل. كما إذا عكست هذه القضية فقلت: إن كان بهذا الإنسان ذات الجنب، فيه حمى وسعال يابس وكذا وكذا. فتكون لا قضية واحدة؛ بل قضايا كثيرة بالفعل. لأن قولك: فيه حمى، قول تام؛ وقولك: فيه سعال يابس، كلام تام. فإن قال قائل: إنه قد يكون التالي قضايا كثيرة، والمتصلة واحدة، كقولنا: إن كان قد يكون آ ولا ب؛ ويكون ب ولا آ، فلا ب شرط آ، ولا آ شرط ب. وإنما تم غرضنا بأن يقول القولين معا. فالجواب أنه، وإن كان الجمع بينهما يكون أوفر دلالة، فإن القضية تتم مع أيهما قبلت وحده، ولا يكون التالي معرفا لما قبل، كما إذا جعل الحد محمولا في الحمليات. وذلك لا يكون دلسيلا على أن جزء الحد وحده لا يكون محمولا. وإذا أريد أن يجدل بعبارة أخرى ى يم معها الكلام بواحدة منهما فهو أن يقال: إن كان قد يكون آ ولا ب، و ب ولا آ، فليس أحدهما شرطا في وجود الآخ. فيكون التالي قضية واحدة أيضا. واعلم أنه كثيرا ما تكون المتصلة والمنفصلة مشتركة الأجزاء في أجزائها، أعني مشتركة التالي والمقدم في جزء منهما، أو في كلى جزئيهما، مثل قولك: إن كان كل آ ب، فبعض آ ب، أو قولك: إن كان آ ب، ف آ ج، وقولك: إن كان آ ب، فج ب؛ أو قولك: إما أن يكون آ ب، وإما أن لا يكون آ ب؛ أو قولك: إما أن يكون آ ب، وإما أن يكون آ ج؛ وقولك: إما أن يكون آ ب، وإما أن يكون ج ب. وجميع القضايا المتصلة، بل والمنفصلة، فإنها لا يمكن أن ترد إلى الحمليات وخصوصا المتصل المشترك الجزأين في جزء، وذلك مثل قولك: إذا وقع خط على خطين فتصير الزاويتان اللتان في جهة واحدة كذا، فإن الخطين متوازيان، فإن هذا في قوة حملية، مثل قولك: كل خطين يقع عليهما خط وقوعا كذا فإنهما متوازيان. ونحن نبين هذا في موضع يخصه. وأيضا فإن المتصلات والمنفصلات قد يكون بعضها في قوة بعض، ونحن نشير إليها عن قريب لاحتياجنا إلى معرفتنا إياها هناك. واعلم أن المنفصلات والمتصلات وريما كان دلالة الاتصال أو الانفصال فيها بعد وضع الموضوع، وربما كان قبل وضع الموضوع، أعني بذلك الكلمة التي بها يصار إلى الاتصال والانفصال، كقولك: إن أو كلما في المتصل، أو قولنا: إما في المنفصل. فيصير ذلك أربعة أصناف من المتصل والمنفصل.

فمثال الذي الاتصال فيه بعد الموضوع، قولك: الشمس كلما كانت طالعة، فالنهار موجود. وهذا قريب جدا من الحملي، لأنه يمكن أن يوضع لجميع ما بد الموضوع اسم واحد، مثاله أن معنى قولك هذا، هو معنى قولك: الشمس شيء من صفته أنه إذا كان طالعا، كان النهار موجودا. وهذا الشيء الذي هو بهذه الصفة قد يمكن أن يوضع له اسم وهو أنه ألف، فإذا قلت إن الشمس ألف تكون قد قلت هذه القضية بعينها. فهذه القضية مترددة بين أن تعني شرطية وبين أن تعني حملية.

وأما مثال الذي الاتصال فيه قبل الموضوع فظاهر، وهو ولك: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود. فإن هذه القضية متصلة بالفعل، وليست تكون حملية؛ بل قد تلزمها الحملية. والقضيتان المتصلتان المذكورتان متلازمتان في كل موضع. وليس كذلك نظيرتاهما من المتصل كما يتبين لك.

أما مثال المنفصلة التي الانفصال فيها بعد الموضوع فلا يمكن إلا أن تكون الأجزاء المشتركة في ذلك الموضوع، فتكون حينئذ كقولك: كل عدد إما أن يكون زوجا، وإما أن يكون فردا. وهذا أيضا في قوة الحملية، كأنك قلت: كل عدد فهو شيء من صفته أنه لا يخلو من أحد هذين الأمرين. فإن سميته بجيم صح أن تقول: إن كل عدد فهو ج. فهذه القضية مترددة بين أن تستعمل منفصلة، وبين أن تستعمل حملية، من غير أن يكون كذلك بقوة بعيدة؛ بل بقوة كأنها قعل.

ومثال الذي يكون الانفصال فيه قبل الموضوع، قولك: إما أن يكون كل عدد زوجا، وإم أن يكون كل عدد فردا. والفرق بين هذه المنفصلة وبين الأولى أن هذه كاذبة والأولى صادقة. وهذه إنما تصدق إذا قرن بها قسم ثالث، فتكون الجملة قضية صادقة. والأولى لا تحتمل قسما ثالثا؛ لأن الحق هو أنه إما أن يكون كل عدد زوجا، وإما أن يكون كل عدد فردا، وإما أن يكون بعض الأعداد زوجا وبعض الأعداد فردا، وهذه الثلاثة لا تصدق إذا أورد الانفصال بعد الموضوع. ولا قوة هذه القضية قوة الحملية التي تصاغ من الأولى.

Page 284