243

ولفظة إما تستعمل باشتراك الاسم على وجوه ثلاثة: فالوجه الحقيقي فيه هو أن تدل على ما يدل عليه قولك: لا يخلو الأمر عن أحد الوجوه. كقولك: إما أن يكون هذه العدد زوجا، وإما أن يكون فردا، حتى يكون الغرض فيه الدلالة على أن هذه أمور متعاندة، والشيء لا يخلو عن جملتها، فتدل على العناد بينهما، وعلى أن لا يخلو عن أحدهما معا. فإذا عني بلفظة إما هذا المعنى، لم يصلح أن يكون العناد واقعا على عناد تام وعلى عناد ناقص البتة؛ بل كان الناقص كاذبا، كقولك: هذا العدد لا يخلو إما أن يكون تاما أو زائدا، ثم تسكت. فإنك إذا فعلت ذلك، كان قولك هذا كاذبا. والوجه الثاني محرف عن هذه الدلالة لإضمار شيء في النفس. وبيان ذلك أن يقول القائل: إن هذه الشيء جمادا أو حيوانا معا، فنجيبه بأنه إما أن يكون جمادا، وإما أن يكون حيوانا، ونعني بها أن هذين يتعاندان فيه ولا يجتمعان، ولا نعني صراحة أنه لا يخلو منهما؛ بل إضمارا. كأنك تقول: إن كان هذا الأمر ليس يخلو عن هذين الوصفين على زعمك، فلا تأخذهما مما لا يخلو عنهما الشيء معا حتى لا يزالا يلزمانه؛ بل اجعلهما مما لا يخلو عنهما لامعا؛ بل على أن لا يخلو عن أحدهما. فإنهما لا يجتمعان لأنهما متعاندان، فكيف يكونان معا؟ فيكون كأنه قال: إن هذين متعاندان ولا يخلو الشيء عنهما بزعمك.فتدل على مما دل عليه الأول من عناد وأنه لا يخلو عنه. ولكن يكون أن لا يخلو عنهما أمرا ليس يقتضيه القول، بل متابعة المخاطب به، كأن المخاطب جعل الأم ين لا بد منهما ومن وجودهما، ولكن لا على سبيل العناد فزاده القائل: إن هذا على سبيل العناد، ولا يجتعمان معا، وإن كان لا يخلو عنهما الشيء. وإذا بإما هذه الوجه، لم يدخله الناقص والتام معا، بل أحدهما.

والوجه الثالث أن يعبر عن العناد في مثل ذلك بسلب الأمرين، كأن قائلا قال: إن هذا الشيء جماد وحيوان، فيقال له: إما أن لا يكون جمادا، وإما أن لا يكون حيوانا، فتكون دلالة إما ليس على القسمة، ولا على أنه لا يخلو من أن لا يكون جمادا ومن أن لا يكون حيوانا؛ يبل فيه إشارة إلى معنى لا يخلو من وجه آخر. كأنه قال: لا يخلو إذا قلت ما قلت إما أن يكون كاذبا في أنه جماد وإما أن يكون كاذبا في أنه حيوان. وهذه القضية بهذه الصفة راجعة إلى حقيقة دلالة إما. فإن هذا القول لا يخلو إما أن يكون كاذبا في أن الشيء جماد، أو كاذبا فيه أنه حيوان. فهذا أيضا يرجع إلى الحقيقي. ولكن قد جعل فيه قوله: إما أن لا يكون، بدل قوله: كاذب. فإن الكاذب هو الذي لا يكون الأمر على زعمه. فكأنه قال: إما أن لا يكون جمادا فيكون كاذبا إذا قلت ما قلت، وإما أن لا يكون حيوانا فيكون كاذبا إ قلت ما قلت. وهذا القسم أيضا ليس فيه عناد ناقص وعناد تام فينقسم إليهما مفهوم العناد في هذه الثالثة بمعنى واحد. فإنه إن فهم من العناد بين الأجزاء أن الأجزاء لا تصدق معا فالثالث تصدق أجزاؤه معا، ولفظة إما ليس تدل أيضا على معنى مشترك بين الأول والثاني. فإن لفظة إما ليس إنما تدل على صريح العناد فقط، بل على زيادة أيضا: وهي أن الثاني كائن إن لم يكن الأول.

Page 279