242

ولنبدأ باقتصاص ما قيل في أمر الاتصال والعناد. قالوا: إن الاتصال منه تام، ومنه غير تام. وكذلك العناد منه تام، ومنه غير تام. وأما الاتصال التام فجعلوه ما يلزم فيه المقدم التالي، كما لزم التالي المقدم، كقولهم: كلما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، وكلما كان النهار موجودا فالشمس طالعة. وأما الاتصال الغير التام، فأن يكون المقدم يلزمه التالي ولا ينعكس، كقولك: كلما كان هذا إنسانا فهو حيوان. ولا ينعكس، فليس إذا ذاك حيوانا فهو إنسان. وقالوا أيضا: إن العناد منه ناقص، ومنه تام. فالتام هو الذي يوجد فيه مع معاندة كل واحد من الجزئين للآخر، أن يكون نقيض كل واحد منهما قائما مقام عين الآخر، كقولنا: مل عدد إما زوج وإما فرد. والناقص هو أن يكون العناد حاصلا، وليس نقيض أحد الأمرين يقوم مقام عين الآخر، كقولنا: الستة إما أن تكون عددا تاما، وإما أن تكون عددا زائدا، ويقف، فإنه ليس إذا لم يكن زائدا كان تاما، بل ربما كان ناقصا. وقال بعضهم: إن الاتصال مكان الإيجاب، والانفصال مكان السلب. وقال آخرون: إن الشرطية باجملة لا إيجاب فيها ولا سلب. هذا وقد يدخلون في المنفصلات قضايا مكثل هذه: زيد إما أن لا يكون نباتا وإما أن لا يكون حيوانا، وزيد إما أن لا يكتب أو يكون يحرك يده. ولهم قضايا تستعمل في الشرطيات مترددة الحوال سنذكرها بعد. وظن بعضهم أن الشرطية المتصلة إنما تكون شرطية، بأن يكون مقدمها كالمشكوك فيه. وزن بعضهم أن قولنا: كلما كان هذا إنسانا فهو حيوان، أنه وما يجري مجراه حملي لا متصل، كأنه يوقل: كل إنسان حيوان. فحري بنا الآن أن ننظر أولا في الاتباع الذي في الاتصال. فتقول: إن الاتباع قد يكون على أن وضع المقدم وهو المنسوب إليه، وهو المقرون به الحرف الأول للشرط الذي يقتضي جوابا ، هو الجزاء يقتضي لذاته أن يتبعه التالي، وهو بين في نفسه كقولهم: إن كانت الشمس طالعة، فالنهار موجود. فإن وضع الشمس طالعة، يلزمه، في الوجود وفي العقل، أن يكون النهار موجودا. وهذا اللزوم ربما كان علة لوجود الثاني، كما في هذا المثال؛ وربما كان معلولا غير مفارق، كما لو قلنا: إن كان النهار موجودا، فالشمس طالعة؛ وربما كان مضايفا؛ وربما كان كل واحد منهما معلول علة الآخر، وكان معلولي أمر واحد يلزمانه معا: مثل الرعد والبرق لحركة الريح في السحاب؛ وربما كانت وجوه أخرى لا يحتاج إليها ههنا. هذا وربما كان وضع المقدم يلزم التالي، لا في بديهة العقل، بل في الوجود، حتى أن الوجود لا يخلو مع حصول المقدم عن أن يكون التالي معه لعلاقة بينهما لا يجوز معها أن يحصل للمقدم وجودا، إلا وحصل للتالي وجود، إما لأن المقدم موجب عن التالي، وإما أن المقدم موجب للتالي، وإما لأنه هو موجبان عن علة واحدة، وإما لتضايف بينهما، وإما لشيء آخر مثل ذلك إن كان. وقد يكوون الاتباع على سبيل خارجة عن هذه السبيل، فيكون المقدم إذا كان صادقا، فإن التالي أيضا صداق، من غير أن تكون هناك علاقة من العلاقات البتة يلتفت إليها وتراعى. وإن كانت مثلا واجبة في نفس الوجود الغير المشعور به بديهة أو نظرا، كما إذا قلنا: إن كان الإنسان موجودا، فالفرس موجود أيضا، لا على حكم منا أن ذلك الاتباع أمر واجب في الوجود نفسه، ولا أن نفس وجود الإنسانية يوجبه أو يمنعه؛ بل على تجويز منا أن يكون اتفق اتفاقا، وإن لم يكن اتفق اتفاقا، وإن لم يكن الأمر في الطباع كذلك. والقول العام الشرطي يقتضي أن يدخل فيه جميع هذا. وأما إذا جعل الشرطي المتصل؛ إنما هو شرطي متصل بحسب شرط وجزاء، كان القول الشرطي الحقيقي هو الذي يكون اتباع تاليه لمقدمه على سبيل اللزوم عن وضعه. وما علينا في ذلك من شيء؛ بل علينا أن نتكلم على كل واحد منهما بما يخصه. لكن ههنا حروف شرط في الشرطيات المتصلة تدل على النحو المذكور من اللزوم، وحروف آخرى لا تجدل عليه. فالتي تدل عليه لفظة إن، فإنك لا تقول:إن كانت القيامة قامت فيحاسب الناس؛ إذ لست ترى التالي يلزم من وضع المقدم؛ لأن ذلك ليس بضروري؛ بل أرادي من الله تعالى. وتقول: إذا كانت القيامة يحاسب الناس. وكذلك لا تقول: إن كان الإنسان موجودا، فالاثنان زوج، أو الخلاء معدوم. لكن تقول: متى كان الإنسان موجودا فالاثنان أيضا زوج، والخلاء أيضا معدوم. فيشبه أن تكون لفظة إن شديدة القوة في الدلالة على اللزوم، و " متى " ضعيفة في ذلك، و " إذا " كالمتوسطة، ولفظة " إذا كان كذا، كان كذا " لا تدل على اللزوم البتة. وكذلك لفظة كلما لا تجدل أيضا على اللزوم. ولفظة لما إذ تقول: لما كان كذا، كان كذا، تصلح للأمرين، وزلا توجب أحدهما. والمقدم في الشرطي المتصل يدل على الوضع فقط، ليس فيه أن المقدم الموضوع موجودا وليس بموجود. فليس إذا قلنا: إن كان كذا، كان كذا، هو أن كذا يريد أن يكون؛ حتى يكون معنى هذا: إن كذا يرد أن يكون، ومعه كذا يريد أن يكون، فيكون المقدم في نفسه قضية صادقة، والتالي في نفسه صادقا، وقد قيلا معا؛ ويكون المقدم لو سكت عليه كان قولا تاما؛ وليس أيضا دلالة المقدم على هذا المعنى، وهو: ان كذا الذي يكون معه كذا أيضا يكون. فإن هذه قضية محلية، تحكم أن كذا خائن مع كون كذا، وليس في هذا شرط البتة؛ بل الشرط يحيل كل واحد من الجزئين عن كونه قضية. فإنك إذا قلت: إن كان كذا، فلا صدق فيه ولا كذب، وإذا قلت: فيكون من كذا، لا صدق فيه ولا كذب، إذا أعطيت الفاء حقها من الدلالة على الاتباع. الهم إلا أن نتكلم بلغة لا يكون للتالي علامة من حيث هو تالي، إلا نفس الاتباع، فيكون حينئذ التالي وحده صادقا أو كاذبا، بسبب أنه ناقص العبارة عن المعنى المقصود فيه، ولو وفيت العبارة حق المعنى لكان كما إذا ألحق به الفاء، وإذ لحق به الفاء كان كأنك تقول: فحينئذ أو مع ذلك يكون كذا. وهذا لا صدق فيه و لا كذب، حتى يعلم الوضع الموضوع. وإن كان نفس قولنا: يكون ز ه صادقا أو كاذبا وحده وليس المقدم أيضا معرضا، من حيث هو مقدم، للشك فيه أو للتصديق له؛ بل إنما الالتفات إليه، من حيث هو مقدم، أن التالي يلزمه أو لا يلزمه. فربما كان غير مشكوك في بطلانه، كقولهم: إن كانت العشرة فردا فلا نصف لهم، بل ربما كان وضعه على أنه ثابت حق في نفسه، ليصح به التالي. وأما من حيث هو شرطي، فليس المقدم منه ولا التالي يقتضيه. فليس أحدهما بحيث يصدق به وهو مقدم أو تال. وما لم يكن كذلك فليس مشكوكا فيه. وأما النظر إليهما من خارج فربما صار التالي هو المشكوك فيه، إذا كان القصد متجها نحو إنتاجه؛ أو المقدم، إذا كان القصد متجها نحو إبطاله. فنقول: إنه لا بد من أن يكون القول الدال على أن شيئا يصدق معه شيء، وأنه مهما كان الأول صادقا كان الآخر صادقا، قوزلا هو قضية، وتكون لا محالة ليست من الحمليات، فيجب لا محالة أن تكون من الشرطيات، ومن التي تسمى متصلة، وإن كانت حقيقة الشرط والجزاء توجب أن يكون وضع المقدم يلزمه في الوجود التالي لعلاقة بينهما، ونسبة كيف كانت نسبة حمل، أو نسبة صريح إضافة حقيقية، أو نسبة إضافة لازمة. لأن أحدهما علة أو معلول، أو كل جزء، أو كلي أو جزئي، أو شيء من أمثال هذه، مما علمت أن الإضافة لازمة له، وليست مقومة لجوهره، كانت تلك العلاقة معلومة لنا أو لم تكن معلومة، فنحتاج أن نعلمها، والأول أيضا فإنه في وجه من الوجوه يرجع إلى هذه القسمة، فإن المعينة في الصدق في الوجود علاقة ما. لكن إذا كان الذهن قد سبق فعلم وجود التالي، وليس إنما انتقل إليه عن وضع الأول إما انتقالا أوليا وإما انتقالا بنظر، فيكون لا فائدة لوضع القدم لينتقل الذهن منه إلى التالي. فليكن المتصل إما على الإطلاق، فما يدعى فيه أنه يصدق التالي منع مع المقدم، وإما على التحقيق، فما يلزم فيه صدق التالي عن المقدم، والأول منهما أعم من الثاني، إذ ينقسم إلى ما معيته بلزوم، وإلى ما معيته باتفاق. ثم ههنا مواضع توجب شكوكا في هذا المعنى، مثل أنه إذا وضع محال على أن يلزمه في الظاهر محال، مثل قولنا: إن لم يكن الإنسان حيوانا لم يكن حساسا، هل يجب أن يقبل هذا أم لا يجب أن يقبل؟ فإنه إن لم يكن شرط الاتصال اللزوم، لم يكن هذا مما يجب قبوله. ولقائل أن يقول إنه إذا فرض قولنا: إنه ليس بحيوان صادقا، فلم يجب أن يرافقه في الصدق إنه ليس حساسا، إذ كانت هذه المرافقة التي لا لزوم فيها، بل مقتضاها أن يكون حكما مفروضا ويتفق معه صدق شيء ولا التفات فيه إلى اللزوم. لكن كون الإنسان ليس بحساس، قول غير صادق. فكيف يوافق صدقه شيئا آخر فرض فرضا، إلا أن يكون هذا الاتصال يوجب اللزوم؟ فيكون هذا وإن كان ليس صادقا في نفسه، حتى يصدق مع ذلك، فهو لازم عنه. لكن الجواب عن هذا أن اللازم صدقه مع صدق الشيء أخص من الذي يصدق مع الشيء، فإذ هذا لازم أن يصدق مع صدق الشيء ، فإنه يصدق لا محالة مع الشيء. فإنه قد يكون كذلك تارة، وقد لا يكون أخرى. وأما هذا فلا يصدق مع الأول بوجه إلا لزوم. فإن الأول من هذين إذا فرض صادقا، فالثاني لا يجوز أن يكون صادقا معه من غير لزوم؛ لأن الأول ممتنع صدقه معه. وإنما يكون الصادق بلا لزوم ما يكون المقدم فيه صادقا لا يمنع أن يقارنه صدق التالي؛ إذ الصادق لا يمنع صدق الصادق. وأما إذا كان كاذبا فربما منع وربما لم يمنع هذا. وأما قول القائل: إذا كان الإنسان ناطقا فالغراب ناطق، فليس يجب أن يكون صادقا بأحد الوجهين. لا لأ لأن هذا في نفسه صدق مع ذلك، فإن كليهما كاذب، ولا لأن أحدهما يلزم عن الآخر. وأما قولنا: إن كان الإنسان موجودا فالخلا ء ليس بموجود، هو صادق بالمعنى الأول، وكاذب بالمعنى الثاني؛ فإن صدق هذا مع ذلك غير لازم عن وضعه. وإن كان صادقا معه فاللزوم جزء من التالي في هذه الحقيقيات، وليس جزءا من التالي في الشرطي المطلق. ولفظة " أن " موضوعة لهذه الدلالة. وأما الألفاظ الأخرى فالأمر فيها على ما علمت وسلف لك ذلك. واعلم أن قول القائل: إن كانت الخمسة زوجا فهو عدد، قول حق من جهة، وليس حقا من جهة. فإن هذا القول حق حين يلزم القائل به، وليس حقا في نفس الأمر، حتى يكون واجبا بنفسه أن يكون التالي يلزم من الأول لا محالة. وذلك لأن المحقق لهذه القضية وهي قولك: إن كانت الخمسة زوجا فهي عدد، ولما يجري مجراها، هو قياس يلزمه ويوجبه. وقد حذفت منه مقدمة. وتحليل ذلك أنه إذا كان قد وضع أن الخمسة زوج على أنه حق، وكان حقا في نفسه أن كل زوج عدد، فيلزم ذلك الإنسان حينئذ أن تكون الخمسة عددا. والسبب فيه تسلم باطل وحق، وليس يجب تسليم ذلك الباطل على من سلم ذلك الحق. فإنه إذا وضع أن الخمسة زوج فليس يجب أن يسلم أن كل عدد زوج. ولا يصح هذا التسليم مع ذلك التسليم، بل يجب أن لا يسلم هذا. فإن وضع الخمسة زوجا يوجب في نفس الأمر أن لا يسلم هذا. ولا بأس من أن يلزم محال محالا، حتى إذا سلم باطل كان بالحري أن لا يلزم تسليم حق؛ بل إذا سلم المحال فيجب أن يسلم معه محال إن كان يلزمه. ففي نفس الأمر إذا سلمت أن الخمسة زوج، فيلزم أن تسلم ضرورة أنه ليس كل زوج بعدد. والدليل على أنه إذا سلم ذلك لزم أن يسلم هذا، هو أنه ليس شيء من الأعداد هو خمسة زوج. ويجب من ذلك أن لا يكون شيء مما هو بخمسة زوج بعدد. فإذا سلم أن خمسة زوج، وتلك الخمسة ليست بعدد، لم يكن كل زوج بعدد، بل إنما لزم على واضع الوضع أن يلزم ذلك، لأنه أخذ وضعا باطلا، وأخذ أمرا هو حق في نفسه، فخلط بينهما، فلزمه شيء لا يلزم، إذا لم يسلم ذلك الحق الذي لا يلزم تسليمه إذا سلم باطل. وإن كان إنكار ذلك الباطل، وتسليم هذا الحق واجبا عند اعتبار الصدق، فإن خلاف الأمرين واجب أو جائز عند ركوب الباطل. ولو كان قولنا: لو كانت الخمسة زوجا لكان عددا، حقا يجب أن يسلم في نفسه، لكان من الحق أن يقال: إن ماهو خمسة زوج فهو عدد. فلما كان هذا باطلا، فإن المتصلة التي في قوته أيضا باطلة. ول وكانت هذه الجملة حقا، لكان عكسها أن بعض العدد خمسة زوج حقا.

فقد عرفت حال القضية المتصلة الحق، واللازمة ومقدمها وحده باطل، والتي تاليها ومقدمها معا باطل، ولا يجوز أن يكون المقدم حقا، والتالي باطلا بوجه من الوجه، فإن الباطل لا يلزم الحق. وأما القضية الكاذبة من حقين، فمثل قولك: كلما كان الإنسان ساكنا، كان الإنسان متحركا، وكلا القضيتين صادقتان وجودا. وكذلك قولك: ليس البتة أن كان الإنسان حيوانا فهو جسم. فإن هذه كاذبة من ضروري الصدق.

الفصل الثاني (ب) فصل في الشرطيات المنفصلة

ويجب أن ننظر في جانب العناد . فنقول: أما العناد فإنه مهما دل عليه بمجرد معاندة بأن قيل: إن هذا القول مثلا معاندة لهذا القول، لم يجب بذلك أن يكون القضية شرطية، ولا إن كانت شرطية وجب أن تكون منفصلة. فإن المتصلة قد يمكن أن تشتمل على ما معناه هذه المعنى، والدال على العناد في ظاهر العبارة هو لفظة إما.

Page 278