238

والذي تكلفه متكلف فقال: إن قوله: كل يقظان متحرك بالضرورة، ليس معناه أنه متحرك دائما؛ بل معناه أنه كلما فرض موجودا في وقت وجد أنه متحرك، وكما نقول كل إنسان حيوان، فإنه لا يعنى بهذا أن كل إنسان دائما حيوان، بل إذا كان موجودا؛ بل لا يعنى بهذا أن كل إنسان دائما إنسان وجود، ومع ذلك فالحيوان دائما مقول عليه؛ ولا أيضا معناه أن قولنا: كل إنسان حيوان قول يكون دائما صادقا وفي كل زمان، فإنه يجوز أن تعدم أشخاص كثيرة من الأنواع أصلا كالدود، فلا يكون، حينئذ، كل دود حيوانا. فتقول لهذا الي تكلف ما تكلف: أما قولك إنه ليس شرط الضروري أحدالأمرين المذكورين فهو حق، لكن قولك بل شرط الضرورة ذلك الذي ذكرته وهو كون الموضوع موصوفا بما وصفته، حتى يكون قولنا: كلما كان يقظان موجودا يقظان كانت الحركة اليقظية موجودة، يوجب الضرورة أو نقيضها، ينقض عليك أصولا سلفت. وذلك لأن هذا القول يلزم منه أن يكون قولنا: كل متحرك متغير ضروريا، فإنه كلما فرض المتحرك موجودا يحمل عليه أنه متغير. فإذا جعلت أمثال هذه الكبريات ضرورية في الشكل الأول، وقرنت صغريات مطلقة، لم تنتج ضرورية، وذلك خلاف رأيك. نعم إذا قلت: إن الذات الموصوفة بأنها يقظان، كلما وجدت، لزم منه أن تكون متحرك، وصدق هذا، كانت المقدمة ضرورية، ولكن ليس يجب أن تكون الذات الموصوفة بأنها يقظى كلما وجدت كانت متحرك حركة اليقظة. فإنها إذا وجدت، ولم تكن يقظى، تكون قد وجدت الذات التي توصف باليقظة، ولا تكون متحركة. وأما الإنسان فليس من هذا القبيل. فإن الذات الموصوفة بأنها إنسان لا توجد وليست بإنسان؛ بل إذا صارت لا إنسان فقد فسدت. ولا كذلك الذات الموصوفة بأنها يقظى فإنها تكون يقظى، ولا تكون يقظى وهي موجودة. فضرورة مقدمة اليقظان تعتبر الذات الموصوفة باليقظان حكم أنها يقظان، لا حكم أنها موجودة، وأما ضرورة مقدمة في الإنسان، فتعتبر حكم أنه إنسان وحكم الوجود معا، فإنه ليس شيء موضوعا قائم الذات يوصف بإنه إنسان، وأنه ليس بإنسان، بل الشيء الموصوف بأنه إنسان ليس إلا نفس ذات الإنسان، كالموصوف بأ،ه سواد ليس إلا ذات سواد. فلا يبقى الشيء الموصوف بأنه إنسان موجودا، ولم يبق له أنه إنسان، كما يبقى الشيء الموصوف بأنه يقظان موجودا، وإن لم يبق له أنه يقظان. وإن شكل هذا عليك في الإنسان فخذ بدله السواد. فإن جوزت أن يكون شيء واحد يكون إنسانا، وهو بعينه غير إنسان، وتحمل عليه الحيوانية عند كونه إنسانا، لزم يكن حينئذ قولك: كل إنسان حيوانا، مقدمة ضرورية عندك. وهذا مما لا يجوز من ينازعه الآن. ولا يشك هو في أن الموصوف بأنه يقظان إنما يكون بالضرورة متحركا، لا مادام ذاته في نفسها موجودة، بل ما دام ذاته يقظي، وهذا هو ضرب من المطلق. وقد تحققت هذا فيما سلف تحققا لا تحتاج مع تذكره إلى أعادتنا عليك ما أعدناه. فإن كانت المقدمتان سالبتين كان قياس لا محالة، كقولك: لا شيء من ج ب بالإمكان، وبالضرورة لا شيء من آ ب. فإن هذا ينعكس إلى الشكل الأول، وإن كانت الصغرى ضرورية حتى يكون بالضرورة لا شيء من ج، ب. ويمكن أن يكون لا شيء من آ ب، فينتج أنه بالضرورة لا شيء من ج ب على ما قلنا. أما على أصولهم فيعرض ما قلنا، حيث كان بدل السالبة الضرورية مطلقة.

وبعد ذلك فلا يجب أن يجدوا عكس العكس على أصولهم، وإن كانت المقدمتان موجبتين، فالنتيجة تكون على أصولنا سالبة ضرورية. وأما على المشهور فلا ينتج. ويثبتون ذلك بحدود هكذا: كل إنسان يمكن أن يكون أبيض، وكل ققنس بالضرورة أبيض والحق سالبة ضرورية. قالوا وكيف يمكن أن تكون النتيجة ممكنة، وهذه المجموعة من الطرفين ضرورية سالبة، وكيف تكون مطلقة صرفه ولا مقدمة مطلقة، وكيف يمكن أن تكون ضرورية سالبة إلا على سبيل الاتفاق من المواد دون الواجب من التأليف كهذا الذي أنتج من هذه المادة، فإنه من المسلم أن القياس لا ينتج سالبة ضرورية أو يكون فيه سالبة ضرورية. وهذا شيء لم يبين إلا في الشكل الأول، وليس بيانه في الشكل الأول بيانا في كل موضع. ثم قد تكلف بعضهم أن يعطي حدودا نتائج موجبة ضرورية حتى يكون هذا التأليف ينتج في ماجدة نتيجة سالبة ضرورية، وفي أخرى موجبة ضرورية. وذلك غاية ما يدل على أن الاقتران غير منتج، وتلك الحدود هي: أن كل يقظان متحرك بالضرورة، وكل حي ممكن أن يكون متحركا. وقد علمت ما في هذا. فإذ عرفت الكليات، فقد أمكنك أن تعرف الجزئيات.

الفصل السادس (و) فصل في القياسات الممكنة البسيطة والمختلطة في الشكل الثالث

Page 271