al-manṭiq
المنطق
فأما إن قال: إن الكاتب من جهة ما هو كاتب، هو كاتب فقط و لا زيادة، والإنسان معنى آخر غير أنه كاتب، فليس محمولا عليه، كان هذا حكم الإنسان والحيوان. فإن الإنسان، من حيث هو إنسان، هو أنه حيوان. نعم الحيوان حينئذ جزء من حده، وكذلك الحيوان والإنسان جزءان من حد الكاتب. فإن الكاتب من الخواص الذاتية، بمعنى، أنها توجد في حدها الموضوع وجنسه لا محالة. وبعد هذا كله؛ فإن الكاتب إذا أخذ أنه كاتب فقط، وكان الإنسان مقارنا له كان غير محمول عليه بالضرورة لا بالإمكان؛ فكان بعض الكتاب بالضرورة ليس إنسانا لا بالإمكان، وهو الكاتب من جهة ما هو كاتب. على أن ههنا غلطا آخر. وهو أن قولنا: من حيث كذا، ومن جهة كذا، من أجزاء المحمول. فقوله: بغض الكتاب من جهة ما هو كاتب ليس بالضرورة إنسانا، هو بمعنى قوله: الكاتب ليس من الضرورة إنسانا، من جهة ما هو كاتب، ولو كان هذا الاعتبار ليس جزءا من المحمول، بل جزء من الموضوع، للزم منه محال. فإنا كنا نقول: الحيوان من جهة ما هو حيوان، ناطق أو ليس؛ فلو كان من جهة ما هو حيوان ناطق، للزم أن يكون كل حيوان ناطق، ولو كان الحيوان من جهة ما ه و حيوان ليس بناطق، للزم أن لا يكون أحد من الحيوانات ناطقا. لأن الشيء الذي يقال على الشيء من حيث هو هو، ومن حيث هو طبيعته، فيقال من حيث كان، وكيف كان. لكن لما كان قولنا من حيث ومن جهة كذا جزء من المحمول، لم يلزم أن يجاب أن الحيوان من جهة ما هو حيوان ليس بناطق، بل أن يجاب أن الحيوان ليس من جهة ما هو حيوان بناطق، بل قد يكون وقد لا يكون. فإذا كان كونه بحيوانية تسلب عنه النطق، غير كونه لا بحيوانية توجب عليه النطق، لم يلزم أن يكون الأمر في تسليم القسمين على السواء.
وكيف يكون جزءا من الموضوع؟ وأجزاء الموضوع يجب، إذا كان بعدها شيء يحمل على الموضوع، أن تجيء بعيده كقولنا: الحيوان ناطق كذا، معناه الحيوان الذي هو ناطق كذا. فإذا قلنا: بعض الكتاب من جهة ما هو كاتب، فيجب أن يكون معناه بعض الكتاب، المأخوذ من جهة ما هو كاتب، أو بعض الكتاب، الذي هو من جهة ما هو كاتب فقط. فيكون إدخال هذا السور فيه هذر. فإن الكاتب الذي أخذ من جهة ما هو كاتب فقط لا يتبعض ولا أيضا يتسور بالكل، حتى يقال: مكل الكاتب المأخوذ من جهة ما هو كاتب؛ ولا يكون هذرا إذا جعل هذا جزء من المحول، فقيل: بعض الكتب هو من جهة ما هو كاتب كذا، فإذا كان هذا جزء من المحمول، فيجب أن يكون جزءا من الموضوع عند العكس.
وهب أنه جزء من الموضوع، أليس يجب أن يكون جزءا من المحمول؟ قيل: فيكون قولنا كل إنسان مكن أن يكون كاتبا، معناه أ، كل إنسان مكن أن يكون كاتبا، الذي هو من جهة ما الكاتب كاتب فقط؛ وهذا كاذب، فإنه ولا واحد من الناس يوصف بأنه كاتب المأخوذ من جهة ما هو كاتب فقط. فإن الإنسان لا يكون الشيء، الذي هو مجرد الكاتب فقط الذي أنه إنسان وأنه حيوان، خارجا من وجوده مسلوبا عنه. ولسنا نلتفت عندما نقول: غ، الإنسان ممكن أن يكون كاتبا، إلى اعتبار في الكاتب، وجهة تقترن به، غير معني مطلق أنه كاتب بلا شرط لا بشرط لا. فننظر، هل يحمل ذلك على الإنسان، فيجب أن لا يلتفت في الموضوع إلا أنه الذي هو موصف بكذا، بلا شرط دوام أو بلا دوام، ولا بشرط من جهة، ولا نلتفت إلى المحمول إلا مأخوذا محمولا. فأي شرط ألحقناه به، فهو جزء الحملة، هو المحمول، ثم بعد ذلك يربط ويؤخذ عند العكس فيما يجعله محمولا أو موضوعا، ولا يهمل. ولو كانت هذه الشروط معتبرة لبطل، كثير من المقدمات الضرورية، وصارت ممكنات، ولتجمع جوامع ما قلناه.
فلننظر هل إذا كان ج ب، وب ممكن في ج خاص به، فهل إا حمل ب عل ج، ف ج أيضا يحمل على ب أو لا يحمل؟ فلتكن ج الحيوان، و ب الكاتب، فلننظر هل يجب أن نأخذه من حيث هو كاتب. لكنا نجد الكاتب، من حيث هو كاتب، مسلوبا عنه أنه حيوان، ف ج مسلوب عن الحيوان الكاتب من حيث هو كاتب؛ بل يجب أن يراعى ما كان أوجب، فنجعله موضوعا، فبين أن الحيوان يكون محمولا عليه، نراه يكون محمولا عليه وقتا ما، أو مادام الذات موجودة. فإن كمان الحق هو أنه محمول عليه دائما مادام ذات الكاتب موجودة، فالحيوان ضروري للكاتب، والكاتب ليس ضروريا للحيوان. وفي هذا بلاغ لمن أنصف .
Page 235