204

ونقول: إذا قلنا بالضرورة لا شيء من ج ب، فيجب أن يكون بالضرورة لا شيء من ب ج. قالوا: وإلا أمكن أن يكون بعض ب ج، فأمكن أن يكون بعض ج ب، فأشكل هنا شيء وهو أنه استعمل عكس الممكن فيه. وهذا مما لم يبن بعد. فقال بعضهم: إن إنعكاس هذا المكن بين بنفسه. فإنه إذا أمكن أن يكون شيء شيئا، أمكن أن يكون ذلك الشيء الآخر ذلك الشيء. ولما كان هذا بينا بنفسه، جاز تعريف غيره به، غير متوقف فيه أن يبين حاله. وعندي أنه يحتاج هذا العكس إلى بيان ما أيضا. وليس ما فرضوه بينا أعرف من أن الممتنع كونه شيئا، يمتنع كون ذلك الشيء هو الذي هو المطلوب وقريب من المطلوب، لكن ما قاله الآخرون أحسن، وهو أنه إن أمكن أن يكون بعض ب ج كان فرضه غير محال. وأكثره أن يكون كذبا. والكذب الغير المحال لا يلزم منه محال. فإن لازم ما يمكن ممكن. فإن المحال لا يكون البتة. فما لا يكون إلا ويلزمه المحال لا يكون البتة. وكيف يكون، وإنما يكون مع كون ما لا يكون البتة. فالكذب الغير المحال لا يلزمه المحال. فإذا فرض بعض ب ج موجودا، فحينئذ يكون بعض ج ب موجودا، فحينئذ يكون بعض ج ب كما علمت كذبا غير محال. لكنك قد قلت بالضرورة: لا شيء من ج ب، فكيف يكون قولنا: بعض ج ب، غير محال، فهو محال. ولزم من قولنا بعض ب ج، فقولنا بعض ب ج كذب ومحال. على أن هذا له وجه، وهو أقرب عندي، وهو أن نقول: إذا جاز وأمكن شيء، أمكن لازمه. فإذا أمكن أن تصدق المطلقة القائلة: بعض ب ج، أمكن لازمها ضرورة، أي قولنا: بعض ب ج. وهذا أصح ما ينبغي أن يقال. وأمات إذا كان القول موجبا مثل قولك باضطرار أن يكون كل بج ب أو بعض ج ب، فيقولون إنه باضطرار أن يكون بعض ب ج. وللبيان المشهور لهذا هو أنه لا بد من أن يكون بعض ب ج، لأنه من حيث هو مطلق هذا حكمه. حينئذ إما أن يكتمون باضطرار، أو لا يكون باضطرار. فإن كل كان لا باضطرار، فبعض ج ب، لا باضطرار، وكان كله باضطرار، وهذا خلف. وفي هذا البيان مواضعه تخليط. وذلك لأن الذي سلف من تعليمهم في انعكاس المطلقة الموجبة، إنما كان أنها تنعكس جزئية فقط، ولم يبين أنها إن كانت لا باضطرار فيكون عكسها لا باضطرار. ولا هذا هذا حق بوجه من الوجوه. فإن كل إنسان كاتب لا باضطرار، ثم كل كاتب إنسان باضطرار.

والتخليط الثاني هو أنا وإن سلمنا أن هذا البيان قد ينفع في إثبات عكس الكلي الموجب، فكيف ينفع في بيان العكس الجزئي الموجب. فإنه ليس يمنع قولنا: بعض ج ب بالضرورة، أن يكون بعض ج ب أيضا لا بالضرورة. فيجوز أن يكون عكس قولنا: بعض ب ج بالضرورة. ثم إن انعكس على قولهم فصار بعض ج ب لا بالضرورة، صح مع صحة الأصل، وهوه قولنا: بعض ج ب بالضرورة، ولم يلزم خلف. فإنك تعلم أن بعض الأجسام متحركة ضرورة، وبعضها متحركة لا بالضرورة. وكذلك بعض الأجسام سود بالضرورة أي دائما، وبعضها سود لا بالضرورة؛ بل الحق أن هذه تنعكس مطلقة بالمعنى الأعم، وهو أن بعض ب ج بلا زيادة شرط. والبرهان عليه هو المثالان المذكوران. وأنت تعلم ليس يجب أن يكون عكس غير الضروري عن غير الضروري من المثال المذكور. فلا يمتنع أن يكون الشيء ضروريا حمله على شيء، ثم ذلك الشيء لا يكون هذا ضروريا له. وسنزيدك لهذا شرحا في موضعه.

ومع هذا فيجب أن نورد وجود التلخيص الذي تكلفه أصحاب التعصب عن هذا اللازم. فقال بعضهم: إن قولنا: كل كاتب إنسان بالضرورة، ليس حقا. وذلك لأن الكاتبين المعدومين هم أناس معدومون ؛ فبعض ما هو كاتب هو بالإمكان ناس، أي تمكنوا أن يصيروا ناسا.

وهذا هو الإنسان الذي ذكر أن قولنا: كل ب ج، معناه كل ما يقال له أنةه بالفعل ج، وأخرج ما هو كاتب بالإمكان، داخلا في قولنا: كاتب. فالآن قد أدخلت الكاتب بالقوة في هذه الجملة، ومع ذلك فليس تجد البتة مقدمة كلية ضرورية موجبة. فإن قولنا: كل إنسان حيوان بالضرورة، كاذبة؛ أن الناس المعدومين حيوان بالإمكان. فبعض الناس، وهو الذي بالقوة، حيوان بالإمكان؛ فليس بالضرورة كل إنسان حيوان. ولا مجد مثالا من الأمثلة المستعملة للكلي الموجب، يكون صادقا البتة.

وقال بعض المحصلين: إن قولنا بعض الكتاب ناس بالإمكان، صحيح. وذلك لأن معنى هذا أن بعض ما يوصف بأنه كاتب بالضرورة، هو إنسان. وسواء لم يكن كاتبا، أو كان كاتبا، وكان بالضرورة كاتبا، أو كاتبا لا بالضرورة، حتى يكون إنسانا بالضرورة. وإن لك يكن كاتبا. فإذن كونه إنسانا بالضرورة، ليس لأنه كاتب.

فإذا قلت: بعض ما يوصف بأنه كاتب، هو إنسان بالضرورة وإن لم يكن كاتبا، فأنت تقول في نفسك، لا من جهة أنه كاتب، فجهة أنه كاتب لا توجب الضرورة. فإذن يكون غير ضروري أن تكون معه الإنسانية، فيكون بعض الكتاب وهو الكاتب من جهة ما هو كاتب ليس ضروريا أنه إنسان أو ليس بإنسان، وذلك من جهة ما هو كاتب. فبعض الكتاب مكن أن يكون إنسانا من جهة ما هو كاتب.

وهذا الرجل، وإن دقق، فقد غالط وحمله التعصب على نمحل وزجه بعيد، وغلط من ظن أن قولنا: الكاتب من حيث هو كاتب، لا وجب الضرورة؛ حتى يصح معه أن الكاتب من جهة ما هو كاتب، لا يكون حمل الإنسان ضروريا عليه، وليس كلامنا في أن كونه كاتبا هو الذي جعل حمل الإنسان عليه ضروريا أو لم يجعل، بل كلامنا في الإنسان هل يحمل على الكاتب من جهة ما هو كاتب. فإن قال: إنه يحمل عليه دائما، فيكون ضروري الحمل عليه. فبين أنه يحمل عليه، وإن لم يكن لأجل أنه كاتب. وكذلك إذا زالت الكتابة مع كونه إنسانا محمولا على الشيء الذي هو الكاتب، فإن ذلك لا يمنع أن يكون محمولا على الكاتب، ودائما له. فليس أنه لا يكون ويحمل على شيء، يوجب أنه حين يكون لا يحمل عليه دائما.

Page 234