203

فنقول في جواب ذلك: أما أولا، فإنا نسامح ولا نناقش المناقشة التي لنا في هذا، فنقول: لا يمنع وجود بعض المستيقظ كاتبا مادام ذاته موجودا، أن يكون بعضه ليس كذلك. فإنه كما أن الجزئية لا يمنع صدق سلبها صدق إيجابها، كذلك لا يمنع صدق ضرورتها صدق لا ضرورتها. وكذلك بعض الأجسام أبيض بالضرورة، وبعضها أبيض لا بالضرورة. فإن كان بعض ما هو موضع المستيقظ كاتبا بالضرورة إذا أخذنا الشرط المذكور، فبعضه الذي ليس بذلك الشرط ليس بالضرورة. وإن قابلنا هذا الكلام بالحق، لزمنا أن لا نسلم أن الكاتب من حيث هو كاتب يوصف بالمستيقظ. فإن ذات الكاتب بشرط أن يؤخذ كاتبا فقط لا يوصف بالمستيقظ. فإن الشرط هو أن يكون كاتبا فقط بلا زيادة. والكاتب فقط كيف يكون هو مستيقظا، فيكون كاتبا فقط ليس كاتبا فقط؛ بل إذا أخذ مطلقا، أي الكاتب، كيف كان الموصوف بأنه ما كاتب، المجوز أن يكون، كيف كان الموصوف بالمستيقظ وصفا لا بالضرورة. وأما الأشياء من حيث حدودها، وبشرط تجريد العوارض عنها، لا تكون موضوعة لما ليس بحدودها ولا في حدودها. ثم ستعلم أن قولنا: من حيث هو كاتب، ليس جزءا من الموضوع البتة، وذلك في مثل قولنا: الكاتب من حيث هو كاتب هو مستيقظ، بل جزء من المحمول. وسنبين لك حينئذ أن الشك منحل من وجه آخر. ونرجع فنقول: إن العكس في المطلقتين جميعا لا يجب إلا مطلقا عاما. وذلك لأنك إن أخذت المطلقة خاصة، وجدتها قد تنعكس خاصة، وقد تنعكس ضرورية. مثال الأول: كل كاتب مستيقظ، وعكسه: بعض ما هو مستيقظ كاتب لا بالضرورة. ومثال الثاني: كل إنسان متنفس لا بالضرورة، وعكسه: أن بعض ما يتنفس إنسان بالضرورة. وإذ عرفت حال الكلي الموجب المطلق، فكذلك فاعلم حال الجزئي الواجب، وأنه ينعكس مثل نفسه جزئيا موجبا. والبيان ذلك البيان. وينبغي أن لا يطول بسببه. وقد أوردت أمثلة نوقض بها ما قلناه من انعكاس الكلي الموجب جزئيا. فلا يحتاج أن نعددها كلها؛ بل يجب أن يتذكر ما قلناه في الجواب عن حدود أوردت، لتبين بها أن السالبة الكلية لا تنعكس. وكذا الأمر أن تنظر إلى جملة الموضوع وجملة المحمول فتعكسه كما هو، لا تنقص جزءا مما فيه وزلا تغيره، أعني الجزء الذي إذا نقصته عنه وهو بحاله الأولى قبل العكس فأردت أن تحفظ الإيجاب والسلب مع نقصانه لم تجد الحكم ثابتا. فإنك إذا حفظت المحمول كما كان والموضوع كما كان وعكست لم تغلط ولم تغالط. وأما السالبة الجزئية فإنها لا تنعكس، فليس إذا لم يكن كل حيوان إنسانا، أو كل إنسان كاتبا، وجب أن لا يكون كل إنسان حيوانا، أو كل كاتب إنسانا.

وههنا نوع من العكس آخر يحب أن نتأمله، وهو الذي يسمى عكس النقيض، وهو وأن يؤخذ ما يناقض المحمول فيجعل موضوعا، وما يناقض الموضوع فيجعل محمولا. فنقول: إذا قلنا كل ج ب، لزنم منه أن كل ما ليس ب ليس ج، وإلا فليكن بعض ما ليس ب ليس ج، فهو ج. فبعض ما ليس ب هو ج، ينعكس فبعض ما هو ج هو ما ليس ب، وقلنا كل ج ب. وإذا قلنا: كل ما ليس ب ليس ج، صح كل ب ج، وإلا فليصح ليس كل ج ب. فيكون بعض ما هو ج مسلوبا عنه ب، فذلك البعض ج وليس بب. قلنا: كل ما ليس ب ليس ج فذلك البعض ج وليس بج. وإذا قلنا: لا شيء من ج ب لا يلزم لا شيء مما ليس ب ليس ج. فإنك إذا قلبت: لا شيء من الناس حجارة، لم يلزم أنه لا شيء مما ليس بحجارة ليس بإنسان، أو ليس شيء مما ليس بحجارة هو إنسان؛ بل لزم بعض ما ليس حجارة فهو إنسان، وإلا فلا شيء ممال ليس بحجارة فهو إنسان، فلا شيء من الناس ليس بحارة. وكنا قلنا لا شيء من الناس حجارة. وإذا قلنا: بعض ج ب، لزم بعض ما ليس ب ليس ج. فإنه يوجد موجودات أو معدومات خارجة عن ج و ب معا، فيكون بعض ما ليس ب ليس ج. وأما قولنا: ليس كل ج ب، فيلزمه ليس كل ما ليس ب ليس ج، وإلا فكل ما ليس ب ليسج، فكل ما هو ج ب، فكل ما هو ج فهو ب. وههنا فحوص أخرى، وألأولى أن نجعل مواضعها كتاب اللواحق.

الفصل الثالث (ج) فصل في عكس الضروريات والممكنات

Page 233