al-manṭiq
المنطق
وأما القياس فهو قول ما إذا ما وضعت فيه أشياء أكثر من واحد لزم من تلك الأشياء الموضوعة بذاتنها لا بالعرض شيء آخر غيرها من الاضطرار. فالقول ههنا كالجنس للقياس. فينبغي أن ينظر أنه جنس للقياس المعقول المتصور في النفس، أو جنس للقياس المقول. فنقول: إن القياس يقال بالتشابه على الشيئين، فيقال قياس للأفكار المؤلفة تأليفا ما في النفس فتؤدي إلى تصديق في النفس بشيء آخر، ويقال قياس للقول المؤلف من قضايا يلزم عنها غيرها، وليس من حسي هو قول مسموع فقط، فإن الأقوال المسموعة لا يلزم عنها قول آخر البتة. فإن اللفظ لا يجب أن يتبعه لفظ آخر أو لا يتبعه، ولكن من حيث هو قول مسموع دال على معنى معقول، وليس من حيث هو قول مسموع دال على معنى معقول، على أن يكون قولا مسموعا هذا السماع؛ بل لأنه قول مسموع فقط على الإطلاق غير مخصص بلغة دون لغة. فإنه لا يصح أن يكون اللازم أو الملزوم ما تدل به لغة دون لغة؛ بل على الإطلاق أي لغة كانت. ومعنى اللازم أن يكون ذلك اللفظ يجب الإقرار بمعناه. وكما أن القياس يقال على هذين، فالقول الذي هو كالجنس للقياس يقال على هذين. فالقياس المسموع على الوجه الذي قلناه، جنسه القول المسموع، ولقياس المعقول جنسه القول بمعنى المعقول. لكن القياس المعقول قد يكفينا وحده في تحصيل الغرض الذي في القياس، إذا كان المطلوب برهانيا. وأما في الجدل والخطابة والسوفسطائية والشعر؛ فإن القياس المسموع لا يستغني عنه في إفادة الغرض الذي في كل واحد منها، وكذا في الامتحانات التي تستعمل، وسنذكرها في مواضعها. فهذا معنى القول المأخوذ في جنس القياس. وأما قوله: إذا وضعت فيه أشياء، يعني: إذا سلمت الأشياء التي فيه، وليس يعني: أن تكون بنفسها مسلمة؛ بل وإن كانت عندك منكرة أو في نفس الأمور، لكنها إذا سلمتها لزم عنها غيرها. وهذا يعم البرهاني والجدلي والخطابي والسوفسطائي والشعري وقياس الخلف. فإن القياس الجدلي إنما لا يوجب الحق حيث لا يوجب، لأن مقدماته تكون في نفسها غير حق، لكنها مع ذلك إذا سلمت يلزم عنها ما يلزم. والسوفسطائي الذي فيه اشتراك الاسم فإنه يوهم مع ذلك تصورا لذلك الاسم على أنه معنى، فإذا سلم ما فيه على الوجه الذي يأخذه السوفسطائي لزمت منه النتيجة. مثال ذلك: إذا قال السوفسطائي: الماء له عين، وكل ما له عين يبصر، فالماء يبصر فإن هذه المقدمات إذا سلمتها على نحو ما أخذ، لزم المطلوب بها؛ إذ لا يخلو حينئذ من وجهين: إما أن يعني بقوله: إن الماء له عين، عين الينبوع، أو عين الحدقة؛ أو يعني بقوله: إن له غينا، أن له شيئا يسمى عينا. فإذا سلمت المقدمات على أي الوجوه كان، حتى كان كأنك تقول: إن الماء له عين ينبوع، وكل ما له عين ينبوع فإنه يبصر، أو الماء له عين حدقة، وكل ما اله عين حدقه فهو يبصر، أو الماء له " ما يسمى عينا " ، وكل ما له " ما يسمى عينا " فهو يبصر. فإنك إذا شلمت هذه، وإن كانت كاذبة، لزمت النتيجة. فأما أن تحالف في التلسيم، لم يكن ما نقوله قياسا؛ أعني إذا لم يكن الأوسط عينا بمعنى واحد، لم يكن ما قاله قياسا البتة، وإن سلمتها، لأنها لا يلزم من تسليمها - والأوسط مختلف - شيء. وأمثال هذه القرائن الغير المنتجة، فإنها ليست بقياسات سوفسطائية، بل هي قياسات سوفسطائية. ومعنى هذا أنها ليست في أنفسها قياسات، ثم تنسب إلى السوفسطائي، أي ليس إذا سلم ما فيها - وإن كان على سبيل اللفظ - يلزم عنها المطلوب. كما أن أشياء في أنفسها قياسات ثم تنسب إلى الجدليين، فيكون كونها سوفسطائية وجدلية مخصصات لها بعد كونها قياسات. ومن شرطها أنك إذا سلمت ما قيل فيها ، لزم عنها غيرها. فأما لم يكن هكذا فليس قياسا البتة، حتى تخصص بأنها قياسات سوفسطائية، لكنها قياسات سوفسطائية عاة نحو ما نقول: إن هذا إنسان مائت، ونقول: هذه فضة زيف، ويعنى بها أنها أشياء شبهت بالقياسات، فيقال لها قياسات مشبهية مجازا واستعارة، كما يقال: حيوان مصور وإنسان مصنوع.
Page 222