193

وأما السائل فإنما ينتفع بما يتسلمه من المجيب، ولا يتعين ما يستلمه من المجيب. وربما بدأ فاستعمل مشهورا، وإن لم يتسلم من المجيب. وكان حينئذ حكم المشهورين المتقابلين للسائل على ما هو للمجيب، في أنه ينتفع بالطرفين جميعا. وأما الذي يكتسبه بالتسلم ففي أكثر الأمر إنما ينتفع بأحد النقيضين بعينه إذا نحا نحو إنتاج مقابل ما ينصره المجيب على الاستقامة. وقد ينتفع بالثاني في إنتاج خلف عليه. وربما أمكن أن ينتج من كليهما مقابل ما ينصره المجيب، وذلك لأنه لو كان مثلا ينتج: أن كل إنسان حيوان، من تسلميه: أن كل إنسان حساس، وكل حساس حيوان، ثم يلم له: أن كل إنسان عديم الحس، وسلم أيضا: وكل عديم الحس حيوان، أمكنه أن ينتج ذلك بعينه. فالمقدمة البرهانية تخالف الجدلية بأنها واحدة بعينها من طرفي النقيض دون الآخرى، وأن نقيضها لا يكون مقدمة لقياس برهاني البتة ينتج ما انتجه الأول بعينه و لا لنتيجة أخرى، كما كان المحمودان المتقابلان يكونان مقدمتين للقياس الجدلي؛ إذا كان أي طرفي النقيض تسلمه، مقدمة للقياس الجدلي. لأن البرهانية لا تثير برهانية البتة بسبب التسليم أو المنع فإنها لا يلتفت فيها إلى التسليم البتة. وهذه الفصول كلها واردة بعد كون المقدمة مقدمة. فإن كونها مقدمة غير كونها مقدمة برهانية أو جدلية. وإنما هي جزء القياس المطلق من حيث هي مقدمة، لا من حيث هي مقدمة برهانية أو جدلية. فالنظر في صورة القياس والمقدمة مما يجب أن يقدم على النظر في مادتهما. وإذا النظر في الشيء يتبع النظر فيما يشبهه، وليس به أو يرجع إليه في قوته. وليس أن نعلم الشيء نفسه يكون في صناعة، وأن نعلم ما يشبهه يكون في صناعة أخرى. فالأمور التي تحكي القياس، لأجل الصورة لا لأجل المادة، ويرجع إليها من جهة الصورة، وأنحاء الغلط الذي يقع في القياس من جهة الصورة. والعوارض التي تلزم القياس من جهة الصورة حقها أن تذكر في هذا الفن. فحري أن نتكلم في هذا الفن في الاستقراء، والمثال، والضمير، من جهة الصورة؛ ونتكلم أيضا في تركيب القياس، وتحليله، وفي الأمور التي تشبه القياسات، وفي البيان الدوري، وعكس القياس، وانعكاس القياس بسبب النتيجة، وارتداد الخلف إلى المستقيم والمستقيم إلى الخلف. فتبين من حال النظر في كل باب منها أنه نظر في أمر يتعلق بصورة القياس. فإذا استعملنا الكلام في ذلك، انتقلنا إلى بيان أحوال مادة مادة. وأما الحدود فإنها الأجزاء الذاتية للمقدمات إذا حل عنها الجزء الرابط، فيبقى في الحمليات الشيء الذي هو الموضوع، والشيء الذي هو المحمول. وأما السور والجهة فدواخل. وأما الرابطة فذاتية للمقدمة حتى تكون مقدمة، ولكنها تبطل عند الانحلال، ولا يكون ما تنحل إليه المقدمة ما يبطل عند الأنحلال، فلا يكون حدا للمنحل، فإن الحد هو ما تنحل إليه المقدمة. وفي الشرطيات إذا أسقطت حروف الشرطيات والجزاء وحروف العناد التي بها الارتباط بقى المقدم والتالي. وسميت هذه حدودا لأنها أطراف للنسبة تشبيها بالحدود التي في نسب الرياضيين .

Page 221