al-manṭiq
المنطق
والنظر في معرفة كل شيء على وجهين: أحدهما في أن نعرفه، والثاني أن نعرف ما يشبهه، وليس هو. فالنظر في كلا وجهي القياس السوفسطائي نظر منطقي. وأما القياس الشعري فإنه وإن كان لا يحاول إيقاع التصديق، بل التخيل، فإنه يرى أنه يوقع التصديق، ولا يعترف به من حيث هو شعر أنه كذب، وهو يستعمل مقدماته على أنها مسلمة. مثلا إذا قال: فلان قمر لأنه حسن، فإنه يقيس هكذا: فلان وسيم، وكل وسيم قمر، ففلان قمر. فهذا القول أيضا إذا سلم ما فيه، لزم عنه قول. لكن الشاعر ليس يريد في باطنه أن يعتقد هذا اللازم، وإن كان يظهر أنه يريده من حيث هو شاعر؛ بل قصده أن يخيل بها اللازم استحسانا من النفس للمدوح، كما إذا قال: إن الورد سرم بغل قائم في وسطه روث، فكأنه يحاول أن يقول: فكل ما هو سرم بغل بهذه الصفة فهو نجس قذر. فإن قوله، وإن كان قياسا، أي إذا سلمت مقدماته لزم عنها المطلوب؛ فإنه ليس يروم بيان صحة اعتقاد هذا الرأي بقوله، بل يريد أن تتقزز النفس عن المقول فيه تخيلا. فقد بان أن قولنا: إذا وضعت فيه أشياء، يشتمل على جميع هذه. وكما أن الحملي يسلم، فكذلك الشرطي يسلم؛ وكما أنه يكون قول مركب من حمليات فيلزم عنه قول آخر. فكذلك قد يكون قول مركب من شرطيات ساذجة أو مخلوطة يلزم عنه قول آخر. فهذه أمور ستعلمها في مواضعها. فلم يحسن من ظن أن قولنا: إذا وضعت فيه أشياء، إنما هي الأشياء المحمولة دون الشرطية. وإنما قال: أشياء، ولم يقل: شيء واحد، فرقا بين القياس وبين ما يلزم عن مقدمة واحدة كالعكس المستقيم والمنسوب إلى التقيض وما أشبه ذلك. فإنك ستعلم أن القياس لا يصح أن يكون من حد واحد؛ ولا من مقدمة واحدة، بل إنما يكون من أقوال أكثر من واحدة، إما اثنتان إذا كان القياس بسيطا، أو أكثر من ذلك إذا كان القياس مركبا. ولما كان معنى قوله: إذا وضعت فيه أشياء، هو: إذا سلمت فيه أشياء، كانت الأشياء هي القضايا لا محالة،؛ لأن التسليم لا يقع إلا للقضايا. ولا يجوز أن يقال: إن القياس قول إذا وضعت فيه مقدمات. ومن قال هذا فقد أخطأ في التحديد. وذلك لأنه يكون قد أخذ القياس في حد نفسه، لأن المقدمة إنما تحد بأنها قضية هي جزء قياس، فكأنه يقول: إن القياس قول إذا و ضع فيه قضايا هي أجزاء قياس. ويعرض ما عرض لبعض مغفليهم في أمر الجنس والنوع. ولكن يجب أن يؤخذ في حده قضايا أو أشياء من غير أن توجد مقدمة. ومعنى قوله: إذا وضعت فيه أشياء، هو أنك إذا سلمت ما فيه من الأشياء التي هي القضايا. وليس معنى هذا أن يكون القياس شيئا، وما يوضع فيه شيئا خارجا عنه؛ بل ما يوضع فيه، هو ما يلتئم منه القياس، فهو منه على أنه جزء مله منه يلتئم. وليس معنى قوله: إذا وضعت فيه أشياء، هو أنك إذا سلمت أشياء مما فيه، بل معنى ذلك: إذا سلمت الأشياء التي فيه كلها، التي منها تأليفه. وقولنا: لزم من تلك الأشياء الموضوعة، معناه: من تلك الأشياء الموضوعة على ما فيه من حيث موضوعة فيه. وذلك لأن اللازم ليس عن تلك المقدمات التي هي مادة التأليف كيف كانت؛ بل منها ومن التأليف فيها وهو نحو كونها في ذلك القول. فيكون كأنه قال: لزم من تلك الأشياء الموضوعة فيه من حيث هي موضوعة فيه وضعها. وقوله: بذاتها، أي أن تلك الموضوعات لا يحتاج في أن يلزم عنها ما يلزم إلى أن يقترن بها شيء يتم بذلك لزوم ما يلزم عنها سواء كان معقولا أو مصرحا به. فإنك إذا قلت: ج( مساو لب(، و ب(مساو لد(، فج( مساو لد(. إنما يكون تم لك هذا بأن استشعرت أن ج( مساو لمساوي د(، ومساويات المتساويات مساوية. فليس هذا القول قياسا على وجهه. ومثل قول القائل: فلان يطوف في الليل فهو متلصص. فإن هذا القول ليس قياسا بالفعل، ولا يلزم عنه كونه متلصصا بذاته، بل بتسلم شيء آخر معه، وهو أن يسلم أن كل طائف بالليل متلصص. وكقول القائل: حفظ السنة، ضد إهمال أمر السنة، لكن حفظ السنة ليس شرا، فإهمالها شر، فإذن حفظ السنة خير. فإن هذا لا يلزم عن هذا القول، ومما وضع فيه بذاته، بل عن مقدمة، محذوفة إن كل ما هو غير شر ويضاد الشر فهو خير.
Page 223