189

فمن شاء أن يجعل للضروري والمطلق طبائع لا تتداخل البتة، ولا تجمع في مادة واحدة، جعل الضروري " الموجود " مادام ذات الموضوع موجودا، والمطلق " ما يجب وجوده وقتا ما بعينه أو بغير عينه لا دائما " ، والممكن " ما لا يجب وجوده ولا سلبه وقت من الأوقات " فأما إن جعل الممكن " ما ليس ضروريا حقيقيا " دخل القسم المذكور من المطلق فيه، وإن جعله " معتبرا بحسب المستقبل في أي وقت بعينه فرض " صارت المادة المشتركة بينه وبين المطلق الذي له وقت لا بعينه، وإن لم يقل أحدهما على الآخر، ولم يدخل فيه، بل صاحبه في المادة؛ فكانت المادة مطلقة باعتبار وممكنة باعتبار. وإن أخذ الممكن بحيث لا ضرورة فيه لا ضرورة دائمة، ولا ضرورة بوقت، انفرد الممكن عن المطلق فلم يشركه بوجه. فقد عرفت الطريق في تفهيم الجهات. وكان مثالك إنما هو في الكلي الموجب. ولك أن تنقله إلى غيره . وأما الموجبة الجزئية المطلقة، كقولك: بعض ب( آ، فمعناه بعض ما يوصف بالفعل أنه ب( سواء كان ذلك البعض دائما ب(، أو وقتا ما ب(، أو خلطا، فإنه يوصف بأنه آ من غير بيان، أو بشرط لا دائما. وإما الضرورية فأن يكون بعض ما يوصف بأنه ب(، على أي الأحوال المذكورة شئت، يوصف دائما بأنه آ ما دام الذات الموصوفة بب( موجودة، والممكنة على ذلك النحو المذكور. ومن هذا القياس يعلم أن السالبة الكلية المطلقة والضرورية كيف تكون وكذلك الجزئية. وبالحقيقة فإن لغة العرب ولغات أخرى مما عرفناها لا يوجد فيها لفظ يدل على سلب كل إلا ويوجب أن يفهم منه أن لا شيء مما هو موصوف بأنه ب( موجود له ألف البتة مادام موصوفا بأنه ب(، وإذا قيل: لا شيء مما هو ب( آ ، ثم يوجد شيء مما هو ب( في وقت ما هو آ وإن كان السلب عنه وقتا ما آخر صادقا، كان المفهوم من اللفظ كأنه قد انتقض. وإذا قيل: كل إنسان يتنفس، فيرى إنسان لا يتنفس في ساعة من الساعات، لم تر أن الكلام قد انتقض، كما ترى أنه إذا قيل: لا واحد من الناس متنفس، فإنه إذا وجد في وقت يتنفس ظن أنه منتقض، اللهم إلا أن يصرح، فيقال: لا واحد من الناس متنفس دائما. فحينئذ لا يجعل مصادفة بعض الناس متنفسا وقتنا ما مناقضا لهذا. فإن شئنا أن نجد للسالب الكلي لفظا مطلقا يقع على الوجوه كلها لعموه، فبالحري أن نستعين بلفظ آخر مثل قولنا: كل ب( فإنه لا يوجد آ، فيكون كأنا قلنا: كل واحد واحد مما هو ب(، فإنه لا يوجد آ، ويشبه أن لا تكون هذه القضية موجبة، فإن حرف السلب فيها قبل الرابطة. ويشبه أن لا تكون لفظة " كل " وحدها تدل على إيجاب البتة؛ بل على عموم. فإن جاء الحمل موجبا، دل على إيجاب، إما محصل وأما معدول، كقولنا: كل إنسان يوجد لا عدلا. وإن جاء الحمل سالبا دل على سلب، كقولنا: كل إنسان ليس يوجد عدلا. وكذا حال البعض، فإني لا أجد كبير فرق بين قولنا: بعض الناس ليس بكاتب، وبين قولنا: ليس بعض الناس بكاتب، وإن لم تمنع اللغة أن يكون قولنا: كل إنسان ليس يوجد عدلا سلبا. فهذا هو السالب الذي يجب أن يستعمل في السب العام الذي تدخل فيه الوجوه المذكورة كلها. ويجب عليك أن تعرف الحال في المعنى المقصود في الموضوع والمحمول إذا كانت القضايا جزئية، فإنها لا تفارق الكلية، إلا أن الحكم فيها في بعض الموضوع .

الفصل الخامس (ه) فصل في التناقض بين المقدمات ذوات الجهات

Page 215