190

ويحق علينا أن ندل على المناقضات التي تقع بين المحصورات المذكورة. فإن لقائل أن يقول مشككا: إن المذكور منها في الفن الثالث غير كاف. وذلك لأنا إذا قلنا: كل ب( آ، وأردنا أن نراعي الزمان في قولنا: ليس كل ب( آ، إذ هو أحد شروط النقيض، عسر ذلك علينا. مثلا إذا قلنا: كل إنسان يتنفس، أي في الوقت الذي يتفقن يتنفس فيه، وقلنا: ليس كل إنسان يتنفس أي في الوقت الذي يتفق أن يتنفس فيه، حتى يكون الوقت واحدا، كان ذلك بالحقيقة مناقضا للأول. إلا أنا لسنا نراعي هذا في المواضع التي تستعمل فيها المناقضات؛ إذ يس يتبين بهذا خلف البتة، ولا يقع شك في أنه حين ما يتنفس ليس لا يتنفس، وعلى ما سنشبع القول فيه، ولا البراهين على أحوال المقدمات السالبة المطلقة بوجه، نحو مثل هذا. فإن هذا مما لا يشك فيه. وإن حصل زمان واحد لنأخذه من حيث هو وقت في نفسه، لا من حيث هو وقت مؤقت بالتنفس يعذر ذلك، فلم يمكن تحصيله. والفرق بين أخذ الوقت من حيث هو وقت في نفسه، وأخذه من حيث هو وقت مؤقت بالمحمول، أنه إذا قيل: إن القمر ينكسف نصف ليلة كذا، وقيل: إن القمر ليس ينكسف نصف ليلة كذا، كانذلك مما يشك فيه، ويحتاج إلى بيان، وكان التناقض حاصلا مع ذلك. وأما إذا قيل: إن القمر ينكسف وقت كسوفه، وليس ينكسف وقت كسوفه، فإنه وإن كان هذان القولان كالأولين في أنهما متناقضان فليس يقع خلاف البتة في أن السالبة منها مسلمة لا يقع فيها الشك. ويجب أن نعلم أن زمان الحمل في الواحد يجوز أن يعين. وأما في القضية الكلية، وفي كل واحد، فكيف يمكن أن يعين، حتى يعتبر في السب، فيكون السلب بإزائه. فإن أهملنا مراعاة الزمان والوقت أمكن أن تصدق الكليتان المتضادتان، كقولهم: كل إنسان متحرك، وكل إنسان ليس بمتحرك. كما أن التعليم الأول قد استعمل قولنا: كل فرس مستيقظ، صادقا؛ مع قولنا: كل فرس نائم. أي ذلك في وقت والآخر في وقت آخر. وإنما كنا نقول: إن المتضادات لا تصدق معا إذا حفظ فيها شرائط النقيض، وكانت الأزمنة فيها واحدة. وذلك أمر قد يكون في نفس الأمر. وأما نحن فيعسر علينا أن نورد ذلك. فإنا إن قلنا: كل ب( آ، وكانت الأزمنة متفرقة، لكل واحد زمان لآخر؛ ثم قلنا: ليس كل ( آ، لم يمكننا أن نشير بهذا إلى الزمان الذي لكل واحد خاصا. فإنه ليس كل ب( آ، في زمان واحد. نعم لو قلنا: ليس بعض ب( آ، أي ليس بعض ب( آ في الزمان الذي قيل فيه إنهآ، لكان ربما أمن أن يكون ذلك البعض واحدا، ويتعين زامنه. ولكن هذا إنما كان يكون حقا لو كان زمان ذلك البعض منقوطا به مصرحا. وأما إذا كان معنى ذلك في زمان ما، ولم يعين، فكيف يكون قولنا : ليس بعض ب( آ، يدل على أنه ليس في ذلك الزمان الذي لم يعين. وأما إن أريد أيضا أنه ليس آ، في زمان ما، أمكن أن يصدق القولان. فإن عني أنه ليس آ، في الزمان المعين الذي يكون فيه آ، كان صدق السالبة بيننا بنفسه في كل موضع، ولم ينفع في الخف، وليس كذلك. على أنا نستعمل عبارة " ليس بعض ب( آ " فقط؛ بل قد نستعمل عبارة " ليس كل " . وهذا التأويل لا يستمر حيث نقول: " ليس كل " . وسيأتيك من البيانات لهذا ما يزداد به استبصارا في موضعه. وأيضا ليس يمكننا أن نقول: إن نقيض قولنا: كل ب(آ، هو قولنا: ليس كل ب( آ، على معنى أنه ليس ما دام كا ب( موصوفا بب( هو آ حتى يكون لهذا الضرب من المطلق نقيض مطلق. وذلك لأنهما قد يصدقان معا؛ لأنه يمكن إذا كان قولنا: كل ب( آ، أي في وقت من أوقات كونه ب(، صادقا، أن يصدق معه ليس كل ب( آ، أي مادام موصوفا بب(. واللفظ لا يوجب منع الاعتبارين جميعا. ولذلك قد قالوا في أمثلة المطلقات: كل فرس مستيقظ، وكل حيوان متحرك بالإرادة، أي بالفعل حتى لا يصير ضروريا. وليس ذلك دائما ما دام موصوفا بالموضوع. فإن اقتصر على التثليث في القسمة كانت المناقضة سهلة. فكان إذا قيلا: كل ب( آ، وكان إطلاقه أن كل ب( آ دائما، ثم قيل: ليس كل ب( آ، أعني دائما، أو قيل: كل ب( آ، وكان إطلاقه أن كل ب( آ، مادام ب( موصوفا بب(، ثم قيل: ليس كل ب( آ أي مادام موصوفا بب( كان متناقضا، أو قيل: كل ب( آ، أي مادام موصوفا بآ ثم قيل: ليس كل ب(آ، أي مادام موصوفا بأنه آ، كان متناقضا. لكن نفس الإطلاق لا يوجب أحد هذين المعنيين بعينه، ولا الحدود المذكورة في التعليم الأول تساعد أن يكون الحكم كله على هذا الاعتبار. فيجب أن يطلب عاما لذلك كله. فعسى ذلك هو أن لا يكون موصوفا بأنه آ، مادام الشرط الذي في الموجب. ويعرض ههنا من الضلال أيضا ما ذكرناه فيما سلف. فإن حكم الشرط فيه حكمك الوقت. وإنه وإن كان نقيضا فليس يمكننا أن نستعمله على بصيرة. لكن اعتبار القسم الثالث من الهذر والهذيان، أني القسم الذي يقال فيه: كل ب( آ، مادام موصوفا بأنه آ، وكذلك نقيضه، وهو أنه ليس كل ب( آ في الوقت الذي هو آ، فإن هذا السالب لا يصدق البتة. ولا يكون لهذا الاعتبار في الإطلاق فائدة إلا أن يصرح بالضرورة، فتنقلب القضية عن حالها، وتصير كأنه يقول: كل ما يوصف بأنه ب(، فإنه بالضرورة ودائما مادام ذاته موجودة يوصف بأنه آ، مادام ألفا، ويكون الألف ليس هو المحمول بل جزءا من المحمول. ويكون المحمول هو أنه مادام ألفا فهو آ. وهذا المحمول لا يفارق موضوعه البتة؛ بل هو ضروري له. فكذلك في الجانب الآخر إذا اعتبرت هذا انقلبت القضية في الموجبة والسالبة ضرورية؛ بل يجب أن يلتفت في المطلقات إما إلى الوجود فقط، وإما إلى أن الوجود غير دائم. وأما أنه مع أي شرط يجب، فهو أمر يلحق المطلق بالضرورة، ويغر المحمول عن كونه محمولا إلى كونه جزء محمول. وإذا كان كذلك فيجب أن يكون المطلق أما أن يعتبر فيه نفس الوجود غير ملتفت إلى الدوام وغير الدوام، أو الوجود ملتفتا فيه إلى غير الدوام فقط حتى تدخله الأقسام. ولا يلحق بذلك شرط من الشرائط التي يجب معها الوجود، وهي الشرائط التي تعين الوجود في وقت الوجود وتوجبه. وقد علمت أن نفس قولك: إن هذا موجود وليس دائما، غير قولك: إنه موجود وجب وجوده لوجود كذا، وإن ترافقا في وقت؛ وإذا لم تدخل الشرائط الموجبة للوجود في الإيجاب، فيجب أن لا تدخل في السلب المناقض.

Page 217