188

بل نعود فنقول: إنا قد نستعمل لافظ الضرورة وهو الدوام في موضع: من ذلك أنا نقول: إن الله تعالى حي بالضرورة، أي دائما لم يزل ولا يزال. ونقول: كل إنسان حيوان بالضرورة، لا أنه كذلك فيما لم يزل ولا يزال، ولكن مادام ذات الشيء الذي يقال له إنه إنسان موجودا، أي مادام موصوفا بما جعل منه موضوعا. ونقول: إن كل متحرك متغير بالضرورة، لا أنه دائم لم يزل ولا يزوال ولا أنه دائم مادام ذات المقول عليه إنه متحرك موجودا؛ بل مادام متحركا. وإن كان يتفق أن يكون دوام ذاته موجودا أو كونه مقولا عليه إنه كذا واحدا، كما نقول: كل إنسان فإن دوام وجود ذاته ودوام اتصافه بالإنسان واحد. ونقول: كل متحرك فهو بالضرورة جسم، أي أنه كلما يقال عليه إنه متحرك كيف كان فهو مادام ذاته موجودا، وإن فارق الحركة فهو جسم. ونقول للشيء إنه ماشي إنه ماشي بالضرورة مادام ماشيا، ولا نقول ماشي بالضرورة وحده. ونقول: إن القمر يوجد له الكسوف بالضرورة وقت كذا وكذا. وهذا إن صح عليه أنه يوجد له الكسوف مادام كاسفا بالضرورة فليس معناه ذلك المعنى. فإن شرط الضرورة في القول الثاني هو " مادام الكسوف موجودا " . وشرط الضرورة في القول الأول حصول وقت يكون القمر فيه في العقدة مقابلا للشمس. وهما وإن تلازما متخالفان. ونقول: كل إنسان فإنه يتنفس بالضرورة، ليس وقتا معينا، بل وقتا لا بد منه؛ وليس أيضا معنى هذا أنه يتنفس بالضرورة مادام متنفسا وإن لازمه. وهذه كلها أقسام المطلق الكلي. وإنما الضروري المرسل فيها هو الذي يقال فيه المحمول أو سلب عنه مادام ذات المقول عليه الموضوع موجودا. والذي لم يزل ولا يزال يدخل في هذا. وأما الموجبة الكلية الممكنة فكقولنا: كل ب( آ بالإمكان؛ ومعناه إما أن كل واحد مما يوصف بأنه ب( دائما أو غير دائم، فغير ضروري وجود آ وزلا وجود آ له إذا لم يعتبر شرط، ولا يلتفت إلى أنه سيوجد له لا محالة وقتا ما، أو يجوز أن لا يوجد البتة، أو يجوز أن يصاحبه دائما؛ وهذا الممكن مما يوصف بالفعل أعم من المطلق بالوجه الثاني. وإما أن كل واحد واحد مما يوصف بالفعل بأنه ب( دائما أو غير دائم، فإنه في أي وقت يفرض ذلك الوقت موجودا له فإنه يكون أي مستقبل يخصه، يفرض ذلك الوقت بحيث أنه يجوز أن يوجد فيه ذلك الحكم وأن لا يوجد، ليس مستقبلا إلى مبتدأ آن محدود، حتى تكون حينئذ الموضوعات موضوعات مخصوصة ، وتكون الموضوعات التي توصف بأنها ب( في زمان معين، ويكون المستقبل المعتبر مستقبل وقت معتبر محدود. فلا يكون قولنا: كل ب(، يشتمل على جميع ما يوصف بأنه ب( في كل زمان، وذلك خلاف ما فرضناه.

وهذا المفهوم الثاني من الممكن أن يخرج عنه المطلق، فلا يكون جزئيا تحته، وزإن جاز أن يكون شخص محدود يصدقان جميعا فيه. فإن زيدا إذا قعد، فهو قاعد لا على الضرورة، ولا أيضا بالإمكان بهذا المعنى؛ بل بالإمكان بالمعنى الذي قبله؛ إذ ليس هو هذا القعود دائم الوجود ولا دائم العدم مادام ذات الموضوع موجودا. وأما أنه ليس في الإمكان بهذا المعنى، فلأن الإمكان بهذا المعنى يقتضي المستقبل ولا يلتفت إلى الحال، وهذا ملتفت فيه إلى الحالز فيكون هذا القعود بحسب اعتبار المستقبل ممكنا، وبحسب اعتبار الوقت مطلقا، إذ يعين؛ ولا يكون أحد الاعتبارين داخلا في الآخر، أو مقولا عليه، وأإن تلازما. وقد يمكن أن يجعل كونه غير مستحق أن يتعين له وقت بالضرورة اعتبارا آخر للإمكان. فإن القعود ليس كالتنفس أو كالنزع للموت وقتا ما، أو كالكسوف. فإن الشيء يجوز أن لا يقعد البتة، وليس يجوز أن لا ينكسف القمر البتة. فيجوز أن يكون عدم الضرورة المطلقة وعدم الضرورة التي يقتضيها وقت لا محالة هو معنى الإمكان. فيكون قولنا: زيد قاعد، يدخل في هذا الإمكان من غير اعتبار المستقبل، وقولنا: زيد يتنفس لا يدخل في هذا الإمكان؛ بل في القسم الأول الذي هو شيء غير ضروري دائم. وأما الإمكان الذي بمعنى غير ممتنع فيدخله كل شيء حتى الضروري. لكن المستعمل، فيما أقدر، أحد القسمين المذكورين.

Page 214