187

وههنا قضايا موضوعاتها أمور لا يتلفت إلى وجودها، ومع ذلك يحمل عليها محمولات لا تكون ضرورية ولا أيضا ممكنة؛ بل يحمل عليها بأنها توجد لا محالة وقتا ما، كقولهم: كل دائرتين عرضيتين تتحركان دائما بالخلاف على محور واحد إلى قطبيه فإنهما تنطبقان وتنفصلان. فإن هذه القضية ليست ضرورية. فإن كونهما ينطبقان أو منطبقين ليس دائما، ولا أيضا من الممكنات التي يجوز أن تكون أو لا تكون، بل يجب أن يكون بالفعل وقتا. ولا أيضا حين حمل عليها هذا الحمل في هذا القول. فإنما يحمل عليها هذا الحمل باعتبار الإمكان، وإن كان له مدخل إمكان. ومع ذلك مله فلا يعني أن ذلك فيما وجد وقتا من الدوائر؛ بل لا يلتفت إلى وجودها؛ بل إلى ماهيتها فقط. فإذ ليست هذه ضرورية ولا ممكنة من حيث النظر الذي نعتبره. فبين أنها تكون مطلقة، ولا يكون المطلق ما ذهبوا إليه. والمعلم الأول يمنع من هذا الظن في المطلق صراحا، ويلزم من فرضه محالات نذكرها في خلال المباحث التي نحن متوجهون إليها بالإستقصاء. وقد نبع من هذا المذهب مذهب آخر في أمر الجهات حتى التفت في أمر الضرورة والإمكان إلى أمر القضية في أن سورها يصدق ويكذب، وترك أمر المحمول باعتباره إلى الموصوفات بالموضوع. فكان قولنا: كل حيوان إنسان ممكنا؛ إذ كان يمكن أن يتوهم وقت من الأوقات لا حيوان فيه إلا الإنسان.فحينئذ يصدق أن " كل حيوان إنسان:. فتكون هذه حينئذ مقدمة وجودية صادقة. وقبل ذلك تكون مكنة إذا اعتبرت من حيث كون هذا السور صادقا وقتا ما. فإن حسب حاسب أن مقتضى هذا المثال غير ممكن فقد يمكن أن تطلب ذلك أمثلة من أمور أخرى من أنواع الأمور التي لا نهاية لها.

والفرق بين هذا العتبار والعتبار الحملي أنا لو فرضنا هذا الأمر واقعا كان من حيث الوسر، وصدقه ليس واجبا أن يدوم صدقه. ومن حيث الحمل كان الإنسان ضروريا لكل واحد من الحيوانات الموجودين في ذلك الوقت. فإنه لم يكن الشيء الموضوف ذلك الوقن بأنه حيوان يجوز أن يكون موجود الذات، وليس يوصف بأنه إنسان. لكنا سنوضح فيما يستقبل هذا الرأي النابع أيضا غير صواب، وأن الاعتبار في الضرورة والإمكان إنما هو بحسب مقايسة حال المحمول والموضوع. ويدخل عليه بعد ذلك السور وليس ذلك بحسب السور. وأما المذهبان الأولان فإنا لا نناقش فيهما بوجه. فإنه يحوز أن يعنى بالمطلق أيهما أريد بعد أن يحفظ لكل اعتباره.

ولنعلم أن للقضية من حيث هي أحكاما، ومن حيث هي قضيته يوجد فيها الحمل دائما أحكاما أخص، وكذلك من حيث يوجد فيها الحمل لا دائما أحكاما أخص. والأمثلة التي تورد في التعليم الأول تدل على أن المطلقة بحسب الاصطلاح الأول هي العامية. وقد زعم قوم أنه لا مقدمة كلية إلا ضرورية. وقد غلطوا، فإنا نجد كليات يكون الحمل في كل واحد من الموضوع لا دائما كما مر لك. فلا يجب أن يلتفت إلى ذلك. فإن ذلك كان من سوء فهمهم لما يرتد بالضرورري. لكن الأولى بنا الآن هو أن نذكر الكلية الموجبة الضرورية، فنقول: إن قولنا: كل ب( آ بالضرورة، معناه كل واحد واحد مما يوصف بالفعل أنه موجود ب( كان دائما ب( أو كان وقتا ما ب(،فذلك الشيء موصوف بأنه آ لا عندما يوصف بأنه ب( فقط ولا وقتا معينا؛ بل مادام ذات هذا الذي يوصف بأنه ب(موجودا. فإن كان دائما موجودا فيكون دائما. وإن لك يكن دائما موجودا كواحد واحد من الناس فيكون مادام ذاته موجودا، سواء كان ذاته نفس المعني الذي في الموضوع مثل الموصوف بأنه إنسان - فإن الموصوف بأنه إنسان ليس شيئا إلا نفس الإنسان - أو كان الموصوف بأنه ب( قد يكون موجود الذات ولا يوصف بأنه ب(، كما مثلنا لك قبل هذا.

Page 213