186

وإذا تقرر هذا فنقول: قد وقع خلاف بين المتقدمين في معنى القضية المطلقة. وليس ذلك خلافا حقيقيا؛ بل خلافا في استعمال اللفظ . فذهب فريق إلى أن الإطلاق يعنى به حال القضية من حيث أن فيها حكما، أي سلبا أو إيجابا، كيف كان، بحيث يكون ذلك الحكم عاما لجميع وجوه التخصيصي المذكورة، غير ملتفت فيه إلى أن ذلك على أي الأقسام المذكورة بعد أن لا يشترط فيها ضرورة أو لا ضرورة. وذهب فريق إلى أن الإطلاق يعنى به حال القضية من حيث إن فيها حكما، أي سلبا أو إيجابا، يكون موجودا بشرط أن لا يكون مادام ذات الموصوف بالموضوع موجودا؛ بل ما خالف هذا، فيكون المطلق بهذا المعنى أخص من المطلق بالمعني الأول. والأمثلة التي تورد في التعليم الأول تغلب الظن على أن الغرض ما ذهب إليه الفريق الأول. فإنه وإن أورد في مواضع، أمثلة يصدق فيها اسلب والإيجاب معا، فذلك على سبيل إبانة دعوى جزائية بمثال من جملة المطلقات في مثله لا يستمر الحكم الكلي. فقد بان من هذا أن قولنا: كل ب( آ معناه كل واحد واحد مما يوصف ويفرض أنه بالفعل ب( ، دائما أو غير دائم. فإنه موصوف أيضا بأنه آ من غير أن يلتفت إلى متى ذلك، ومن أي الأقسام كان. فقوم جعلوا كونه بهذه الصفة، هو كونه مطلقا، لكن لم يعرفوا هذه الأقسام كلها؛ بل إنما عرفوا ثلاثة أقسام: أحدها أن يكون ب هو آ دائما، والثاني مادام موصوفا بأنه ب(، والثالث مادام موصوفا بأنه آ. فيكون قولنا: كل ب آ يتضمن هذه الأقسام الثلاثة وهو يعملها كلها. فيكون العموم إما على أعتبار هذا التثليث فقط، وإما على أعتبار الأقسام التي ذكرنا، والخصوص بحسب قسمين حتى يكون المطلق بالمعنى الخاص ما ليس الحمل فيه دائما. وسيتضح لك تحقيق القول في أقسام الضرورة بعد.

الفصل الرابع (د) فصل في الجهات أعني الإطلاق والضرورة والإمكان والامتناع

لنعد تقرير خلافهم في أمر المطلقة فنقول: قال بعضهم، إن كونها مطلقة هو أن تحذف الجهة عنها قولا وتصورا حذفا، بمعنى أنه لا يلتفت إلى الجهة التي تجب لها في التصور، حتى أن قولنا : كل إنسان حيوان؛ وإن كان حقيقة الحال فيه أن الحيوان موجود لمكل ما هو إنسان مادام ذاته موجودة فلا يلتفت إلى ذلك؛ بل إلى ما تشارك فيه هذه القضية غيرها، وهو أن الحيوان موجود للإنسان. فهو من حيث أنه موجود فقط فهي موجبة مطلقة. ومن حيث التخصيص فهي أمر أخص، وهو أنها ضرورية. وكذلك قولهم: كل مستيقظ نائم، أو كل حيوان متنفس، فإنه يجب أن لا يلتفت فيه إلى ما يقابل الضرورة من حيث أنه كذلك وقتا ما لا دائما ما دام ذاته موجدا؛ بل من حيث هو موجود من غير زيادة جهة تقال أو تتصور. فيكون المطلق أعم من الضروري. وقوم يجعلون المطلق من ذلك ما لا يكون الحمول موجودا فيه دائما. أو ما لا يجب ذلك في كل واحد وإن اتفق في ابعض؛ بل ما يكون ةالحمل وقتا ما أو ما لا يجب أن يكون مادام ذات الموصوف بالموضوع موجودا. وقوم يجعلون المطلق ما كان موضوعاته حاصلة بالفعل في زمان ما حتى يكون قولنا: كل أبيض، معناه أن كل أبيض موجود بالفعل في زمان ما. فتكون الكلية الموجبة المطلقة على الرأي الأول معناه ما ذكرناه؛ وعلى الرأي الثاني معناه كل واحد واحد مما يوصف عند العقل بالفعل أنه ب( دائما أو غير دائم، فهو موصوف بأنه آ وقتا ما لا محالة، سواء كان معينا أو غير معين من غير وجود دوام؛ وعلى الرأي الثالث أن كطل واحد من الموجودين في وقت ما ب(، فإنهم موصوفون بأنهم آ في ذلك الوقت. وهذا الرأي الثالث سخيف مختل. فإن كل واحجد من الموجودين في وثت ب( إذا لم يصرح بالشرط المذكور كانوا بعض ما يوصف بب(، وقولك كل ب( أعم من ذلك.

Page 212