241

Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الالاهيات من كتاب الشفاء

Regions
Iran

البصر وقبض الأطراف وترك الالتفات والاضطراب، وكذلك يسن له في كل وقت من أوقات العبادة آدابا ورسوما محمودة؛ فهذه الأفعال ينتفع بها العامة من رسوخ ذكر الله تعالى والمعاد أنفسهم، فيدوم لهم التثبت بالسنن والشرائع بسبب ذلك؛ فإن لم يكن لهم مثل هذه المذكرات تناسوا جميع ذلك مع انقراض قرن أو قرنين، وينفعهم أيضا في المعاد منفعة عظيمة فيما تنزه به أنفسهم على معرفته. وأما الخاصة فأكثر منفعة هذه الأشياء إياهم في المعاد، وقد قررنا حال المعاد الحقيقي وأثبتنا أن السعادة في الآخرة بتنزيه مكتسبة بتنزيه النفس، وتنزيه النفس يبعدها عن اكتساب الهيئات المضادة لأسباب السعادة، وهذا التنزيه يحصل بأخلاق وملكات، والأخلاق والملكات تكتسب بأفعال من شأنها أن تصرف النفس عن البدن والحس وتديم تذكيرها للمعدن الذي لها؛ فإن كانت كثير الرجوع إلى ذاتها لم تنفعل من الأحوال البدنية، ومما يذكرها ذلك وبعينها عليه أفعال متعبة خارجة عن عادة الفطرة بل هي إلى التكلف أقرب؛ فإنها تتعب البدن والقوى الحيوانية وتهزم إرادتها من الاستراحة والكسل ورفض العناء وإخماد الحرارة العزيزية واجتذاب الارتياض إلا في اكتساب أغراض من اللذات البهيمية، ويفرض على النفس المحاولة لتلك الحركات وذكر الله تعالى واللائكة وعالم السعادة شاءت أم أبت، فيتقرر لذلك فيها هيئة الانزعاج عن هذا البدن وتأثيراته، وملكة التسلط على البدن، فلا تنفعل عنه، فإذا جرت عليها أفعال بدنية لم تؤثر فيها هيئة وملكة التسلط على البدن، فلا تنفعل عنه، فإذا جرت عليها أفعال بدنية لم تؤثر فيها هيئة وكملكة تأثيرها لو كانت مخلدة إليها منقادة لها من كل وجه. ولذلك قال قائل الحق: "إن الحسنات يذهبن السيئات" فإن دام هذا الفعل من الإنسان استفاد ملكة التفات إلى جهة الحق وإعراض عن الباطل، وصار شديد الاستعداد للتخلص إلى السعادة بعد المفارقة البدنية. وهذه الأفعال لو فعلها فاعل ولم يعتقد أنها فريضة من عند الله، وكان مع اعتقاده ذلك يلزم في كل فعل أن يتذكر الله ويعرض عن غيره، لكان جديرا أن يفوز من هذا ذكاء بخط؛ فكيف إذا استعملها من يعلم أن النبي من عند الله تعالى وبإرسال الله تعالى، وواجب فبي الحكمة الإلهية إرساله، وأن جميع ما يسنه هو مما وجب من عند الله أن يسنه، وأن جميع ما يسنه عن عند الله تعالى. فالنبي فرض عليه من عند الله أن يفرض عباداته، وتكون الفائدة في العبادات فيما يبقى به فيهم السنة والشريعة التي هي أسباب وجودهم، وفيما يقربهم عند المعاد من الله زلفى بذكائهم؛ ثم هذا الإنسان هو المليء بتدبير أحوال الناس على ما تنظيم به أسبابه معايشهم ومصالحهم معادهم، وهو إنسان متميز عن سائر الناس بتألهه.

الفصل الرابع: (د)

Page 240